Plastic critique. studies

Press

Gallery 2005

Gallery 2000

Gallery 1996

Gallery 1995

قطاف عنصر الصمت

نوري الراوي

       ثمة ما يُــنبىء بأن رحلة الفن تبدأ من ذاتها ، غير إن الفنان لا يستطيع تقدير محيط الدائرة التي تتحرك فيها مشاعره  في مثل هذا الوجود المسـتثار بالمتضادات وردودها ، إلا بجهدٍ  فائض يُجاري العفـوي المًنســاب ولا يناؤه ...  غير انهُ  قـد يلتقـي في طريـق العودة ، بما يُشـعره بأن طاقة الرؤيـة لا يُمكـن أن تتجاوز فيض القيـاس ، إلا بالوصـول عبر تبادليـات اللون والإيقاع ، الشـكل و اللا شـكل ، الحـلم والواقـع ، إلى ذروة الإحساس بالزمـن .

      فيما يتم استبدال منظور رؤيـوي ، بمنظور آخـر موغـل في الأعماق لا يفرض علينا قوانينه الخاصة في البث والاستقبـال ، بل يواز يهما  بطواعية التسـريب والإيماء ، حتى النهاية الكلية لمسـاحة كانت مفترضة في ذهـن الفنان ، قبل أن تسـتحيل إلى نـص ٍ فنـي ٍ  مشـهود  يُمثـل شرعية وجوده على متراميات اللوحة .

          مثـل هذه الثنائية التي تبدو على تخوم حلولية ٍ ذات توسّمات و مدا ليل ، تؤشـر الأعمال الفنية الأخيرة  للفنان التشكيلي (( شـوقي الموسـوي )) وتمنحهـا قدرة التنويـر بمسـتوىً  لا يبعدها كثيرا ًعن تسـارعيات الزمان وجماليـات المكان التي رافقت ولادتها ، مثيرة عبر خطها التموجي ، أسئلة اللا أسئلة ، التي لا يُمكن لراءٍ ــ المُتلقي ــ  مّـا  أن يُجيب عليها إلا إنما اتخذ  دور الوسـيط  ونأى عمّـا ينصبه سـحر تلك الأعمال الفنية من  شـراك للملائكـة والشـياطين معا ً .

    ففي هذه التساميات التي ترنو أبدا إلى قطاف عنصر الصمت في لوحات الموسوي ، ما يُحيـل العتمات إلى قيم  لونية لها قدرة التواشج مع الضوء في ميلوديـة لا تنفك أبدا ً عن ترديد أنغامهـا ، عبر صـور وتعبيرات تتمرأى  بصقيل سـكون المـــــاء .

 

الفنان العراقي شوقي الموسوي يبحث عن شفافية الرسم وموسيقاه

حامد الهيتي - جريدة الوطن الكويتية

        حرص الفنان العراقي " شوقي الموسوي " في معرضه الأخير المعنون ( شفافية الرسم وموسيقاه )على أبراز بنية جديدة شغلت همه التجريبي في إطلاق أصوات موسيقى الألوان ، قد يبدو هذا الهم في تجربته مجردة مغامرة إلا أن البحث فيها ، ما هو إلا تأكيد لمسعى تجريبي ، وضعه الفنان الموسوي على عاتقه ، ليعلن مغايرة أسلوبه عن السائد والمألوف . فبين محددات الواقع وحلم النخيل وضعت فرشاة الفنان مساراتها في البحث عن جانب أخر لم يكن معروفاً إلى يومنا هذا بالرسم ورب سؤال عن مدى تحقيق ما تبثه الألوان من أصوات هو اللغز الذي انشغل به مشروع الفنان الموسوي . فالفنان وبحكم فوضى الطفولة المترسخة في دواخله اختار هذا المشروع ليرضي نزواته أولا في البحث ، وجاءت لوحاته كرنفالاً طفولياً ممتلئً بالالوان الشفافة ، طالما تمنى الرسام أن يسمع أصواتها وكأنه في عمله يُريد أن يجعل المرئي مسموعاً .

     وقد وصف الناقد التشكيلي عادل كامل أعمال الفنان الموسوي بقوله : في تجارب هذا الفنان نكتشف الصدق والعفوية التي تعمل على الاعتراف وتأخذ الخبرة المبكرة الآخذة بالتكامل مأخذ المزهرة لتأمل عالم غير مكترث بالدلالات ، إن الموسيقى تذهب مثلما أتت كعلامة وجود وكعلامة غياب ، والاستثناء الأسلوبي الزاخر بأزمته وإلغاءات بلوعة تصادم ،وعناد ، يعلن حضوره ليخفيه فكل كتمان داخل الحدود المرئية ومحركاتها المسموعة يعلن عن جلال المخفي لان الجمال ليس مقولة انه ينفينا داخله ويجعلنا في ابتهال مكشوف تحت سماء تدبرنا على انتفاء خطانا في المسافة هذا المنحى بما فيه الوعي تجريبي وخبرة فيه اللغز الذي يقع بعيداً عنا إننا لا نسمع ما يأتينا بل نصغي للوحدة التي هي امتلاء هي نقطة حاملة لعناصرها والمجال الخاص بالرسم كإشارات المتصوف وتوجهه لا يقول  ما يعرف لكنه ليس في متاهة انه هو علامة وجوده تبدو مغامرة الموسوي مشروعا كبيراً . لامتلاك التجربة مقومات تفردها التي وصفها الفنان جميل حمودي في معرض الفنان بقوله : بأنه يتميز بحرصه الشديد على أبراز القيمة التشكيلية الخالصة بحث الألوان على التجاور المثالي مثله مثل الفنانين الانطباعيين الكبار الذين خلقوا في التوازن آفاقاً تعبيرية تظل دائماً رائعة خالدة ، فالفنان الموسوي يتعمق في البحث عن العناصر التي تؤكد على عراقيته عبر الأسلوب من جانب اهتمامه بالاعتبارات القياسية بين الشكل والمضمون .

باثات الرسم والحدود المستحيلة

فضاء ء تشكيلي معزول عن المرجعيات

عادل كامل - جريدة الزمان

          شوقي لا يلعب ، ولا يتلذذ بدافع بحثه عن لامبالاة أجمل ، نمت عند جيل وجد الماديات مرتدة ، والأساليب أقل إثارة ، كما لا يتوخى صياغة النص كعلامة - سلعة – ينتظرها الآخر – السوق – والوسط الثقافي الغائب أو المجهول ، بل صار يتمثل المصادر ليعزلها ويكونها بصفتها تشذيبية وسط تصادمات أسلوبية حادة ، وهشة ، يجدُ شوقي الموسوي طريقه أكثر وعورة ، ولكنهُ ليس بلا معنى . فالرسم المُعاصر في العراق ، في أواخر سنوات القرن الماضي ، وفي فاتحة الألفية الثالثة ، ليس لديه ما يُريد ان يعلن عنهُ ، أكثر من استعارات واستهلاكات وجماليات أحادية . فهل يُشكل الرسم في ذاته ، بعد مصائر الفلسفات المثالية ، منذ (أفلاطون) وصولاً إلى (كانت) ، أزمة عالمية ..؟ ان البحث عن فضاءات بديلة ، لا يفضي إلا لنشدان الخلاص المُستحيل ؟

       إن شوقي الموسوي ، المشغول بالتحليل النظري ، في إعداده لرسالة الدكتوراه ، حول المرئي واللامرئي  في الرسم ، يتلمس عناصر المأزق ، ومحركات الأزمة . فالرسم منذُ أقدم آثاره ، لا يقول الذي قرأناه فيه .. فالنفع والسببية ، والمناهج الواقعية ، كلها لا تهمش المعنى الغائب في حضور الرسم وجمالياته . فالأشكال ، عبر أربعين ألف سنة ، في الأقل تكاد تُحدد مسار التحولات الحاصلة في الخطاب الثقافي – المعرفي – إنها قابلة للرصد ، والمشاهدة ، لكنها مازالت ، مثل الوعي ، ومثل اللغة ، تحمل أسئلة الوجود في عملياته التوليدية . لان حكمة : لا جديد تحت الشمس ، ذاتها ، لا تُقال بدافع التكرار . إنها تعلن ، في مأزق الثقافة الأوروبية عن هدم وهدم لا يبلغ حد الصفر . وشوقي الموسوي  يدرك ، بفعل حساسيته ، إن المعنى ليس هو الذي يُحدد بنية التقنية . وليس التقنية ، حتى عندما صارت هي التي تفكر ، قادرة على تأجيل التدحرج الدائم نحو المجهول . فالمستقبل ، هنا لم يعلن عن كمائنه . فهو مثل درس المثاليات حول جدوى الصبر ، محض اشتغال في الوهم ، وترك مسارات الصراع تعمل بحرية أكبر .

      ما المستقبل في مصغّرات الرسام ، عدا أنهُ يُرجعنا إلى ماضيه : إلى الحاضر . لكن الجسر هذا ، ليس  للعبور . انه الحفرة فالمستقبل يغدو حداثة (بودليرية) ، تجعل الأقنعة تعمل عمل الحقائق ، ولا نفك في الأخير ، إشكاليات الاغتراب . إن المستقبل يغدو حلماً ، مثل الاستذكار ، محاولة ترقيعية وتجميلية ، ففي كل الفلسفات يفند (المستقبل) ان لم يعمل على نقد ودحض مساراته . وشوقي لا يحدق في الوهم ، بل في اللامرئي الذي ينتسب الى عالم الشرق ، عالم الأطياف . فهل يتمثل الفنان مأزق الرسم ، وبغطس فضاءاته المُغلقة ، أم يترك علامات الخطاب لا تقول إلا الذي صار مُستحيلاً ؟؟ انه في الحالتين ، لا يُغادر مكونات خبرة مزدوجة ، خبرة الحساسية البكر ، عند أقدم الرسامين ، وخبر ة عبث ولعب كل أساليب الحداثة وما بعدها . فالمأزق لا يخص بنية النص ، أو الذات ، أو المعرفة ، أو الفلسفة فحسب ، بل عصرنا في صراعاته المكشوفة ، والمتسترة . لكن شوقي الموسوي لا يذهب مذهب الواقعية النقدية ، ولا يفك بل يبني . انه لا يُعارض عمل الأصابع وهي تتكلم نيابة عن الضمير . فلا يحمل الرسم ،أكثر من التشفيرات المشذبة .. هذا الحذف للاحتدام وترك العناصر تتجانس وتعمل على بناء نسيجها كامتداد متوازن بين التأمل والتحولات .

       فالرسام يتخلى عن السرد ، لكنه سيجعل من الصمت – المجاز والرمز – ضمناً الذي يتخفى داخل الباث : انه لا يقول إلا ما يخفيه ، بانسجام مع شخصيته الكتومة . فهل صار الشيء في ذاته ، لغة للدحض ، أم أعادنا الرسام الى أقدم علامات الرسم ، ومخفياته التي صارت متداولة ؟ في الحالتين ، ترك الرسام الرسم يُحافظ على كيانه .. أنه يقول الذي نراه ، بصرياً ولكن بلا تأويل .

 خامات : الذات والامتداد 

     كما في تجارب الحداثة التي ازدهرت ،خارج بيئتها وزمنها ، وجد الموسوي انه في عمق المأزق . ما الذي يُمثله الفن ، وقد أسرته التقنيات وتصادمات القوى المختلفة ، ان لم يكن مرآة مزدوجة : ان يرى الذي يتحرك في الخفاء ، وان يعدل البصريات حقلها التوليدي ؟ . ان تعريف الاصالة لم يعد متداولاً ، وهو الذي سيجعل (الجديد) مثيراً للريبة والجدل . فلماذا (الجديد) ان لم يكن ضرورة .. وهل سيحل الجديد /الحديث محل الأشكال التي فقدت ديناميتها ..؟ شوقي الموسوي لا يُغامر ،، انه نشأ وقد أحاطت به تجارب قرن تعج بالاستعارات والأقنعة .. فالصدق لم يعد علامة ، أو إيعاز . ان التجارب هي التي تفعل ذلك ، ونجد أنها ليست خارج حرب سوق الفن . وإذا كان الذوق العام هو آخر من يتحكم بمصائر الأساليب ، فان ذائقة الآخر ، الذي يُراقب عن كثب ، لا تنفصل عن عالم الاستهلاك والرفاهيات .

       فالحداثة مفهوم لم يعد مُباشراً ، وبالامكان تحديد معالمه . والفن هو الآخر لا ينتج بدافع الضرورة . أنه جزء من بنية تلعب فيها الضرارات غير الفنية بما هو أكثر من ضرورات الفن . ومثل هذه القطيعة ، أدركها الفنان وهو يعيد تفكيك حقب الرسم ،بين عصر وآخر ، الأمر الذي جعله حذراً من المُغامرة .. والقبول بإنتاج علامات تذهب نحو المجهول . فالفن عندهُ ، كما في الماضي لا ينفصل عنه ، أنه جزء من خلاياه . فهل ضرب الفنان الحداثة عرض الحائط أم استند إلى فعل (حدث) البكر ، أي عندما صار الإنسان يكتشف ، بعد أن أسس لغته ، وذاته ، في الفن ؟ تلك الصلة ، وهي القطيعة البكر ، مع الخارج أيضاً ، المسافات بين الخامات / العناصر ، والمعنى الذي يُريد إرساله ، إن الرسام لم يدخل في صخب صراع الأقنعة ، والاستعارات ، والتحويرات .. بل وجد ذاته تمتد من البيئة إلى النص . فهل حافظ على المفهوم (الذري) في تكوين المشهد العام.. أم راح يخترق بنية الذرة ، إلى مكوناتها،الأكثر بُعداً عن أكثر العقول حنكة ؟ ان الاقتراح الأخير ، لم يأخذ مداه كاملاً في نصوصه ، فالعالم ما زال يتكون من مرئيات ومن أعداد ، وأشكال ، وهو الذي جعلهُ يبني في أعماله ، ويُعالج رسوماته وكأنهُ يلعب بالطين ، وبالخامات الأخرى . أنه لم يذهب حد المديات الداخلية للكلمات والموجات ليبلغ عتبات الباث اللامرئي .. بل ألتزم المنطق الواقعي ، للحفاظ على مفهوم التعبير ، فهو سعى أن يكون النص مسافة بين الخامات وعالمه الداخلي . لكن النص ليس وساطة . فالرسام يرسم الرسم ، في نهاية المطاف . أنه يرسم المكونات التي كونت ذاكرته ، بأسلوبه ، حيث عمل على صياغة نموذجه التكنيكي ، المختلف ، وسط ازدحام العلامات التشكيلية .

  فالمنافسة لم تعد تشغلهُ ، كما شغلت عدد من زملائه وأساتذته ، بل انشغل في اكتشاف أسلوبه في رؤية الفن ؛ لا ن النص سيصبح الفنان في جوهر الوجود ، وليس قطيعة عنه . ان فهم الخامة ، هذا ، جعله يلطخ ، ولا يُزوق أو يزخرف ، وجعله يكوّم ولا يحذف إلا كممارسة في البناء . فهو لا يلتف لمفهوم الإعلان – وفنون الملصق – وكل ما هو عقلاني ، وإنما سيوظف خبرة الفن الحديث لبناء نصوصه ، بما تحمله من رائحة وأصوات دفينة . فالرمز يشتغل عنده خارج عمل الرمز .. فليس للإشكال لغة تقول شيئاً لتمثل شيئاً آخر .. بل سيندمج الرمز – القوس والهلال والقبة مثلاً – في سياق بنية النص لان هذه الرموز ستتحول إلى مكونات مندمجة بالخامات وغير منفصلة عنها .

    فالنص هو الخارج بعد أن خضع لرؤية الفنان وشخصيته . فهو لا يرسم ذاته ، ولا يرسم الخارج على سبيل المحاكاة والتحوير ، بل يرسم المسافة وقد صارت نصاً : علامة تجرجرنا إليها ، وليس تبعدنا عنها . فالنص ينتج حاملاً صلة الرحم . والفنان يُفرق في هذا المفهوم عن الحداثة التي راحت تنفصل عن مرجعياتها ، منذ تكلم (بودلير) حول القناع . ان شوقي الموسوي يجد صلة توليدية بين ذاته ومرجعيات فنه ، فالنص يتجمع نحو مغزاه اللامرئي في نهاية البحث .. لكن المرئيات في تجاربه ، تهمس ولا تتكلم . ففعل الرسم ، لا يتوخى الإيذاء أو الانخلاع ، أو المغادرة . انه يرسم كالذي يرجع إلى الرحم ، حتى لو كان قبراً . فالنص بؤرة سرية للروح الأنثوي ، لان فعل التوليد ، ضمناً ، يدمج الذكورة ، ويدمج كل فعل مغير .

  البيئة – حدود النص 

      النص التشكيلي عند الموسوي ، لا يتكلم ، أنني هُنا ، أعزل المرجعيات والتدريبات وعادات الرسم الشائعة ، وأتوقف عند الذي يجعل الخطاب مقتصداً في العلاقة . فالرسم صار يتمثل مأزقه ، وقد يكون من السهل عزل البعد الجمعي عن الذات ، لكن البرهان العملي للاحاديات لم يثمر غِناً يقارن بماضيه ، أو باشتغالات المخيلة .. بمعنى أن عزلت الذات لا تنفصل عن مأزق الحداثات والمشهد الكلي للتصادمات والتحولات . فالرسام ، على سبيل المثال لا يتخلى عن مرجعياته ، بل نرته في الغالب ، لا يُغادر عزلته . لان الأخيرة تتخلى ، في سياقها الفني ، عن الخطاب العام . هذه الحدود لا تشتت النص ، بل تحصره . فالنص مثل الذات ، كلاهما يُمثلان علامة المأزق . فلا يُعيد صياغة البيئة وكأنها شرط الفن المباشر . إنها ستبقى تحمل نفيها معها ، وتحمل إلى جانب ذلك ، ازدواجيتها ومفارقتها : إنها   لا تصير مرآة .. والرسام لا يجد فيها إلا وهما يشبه ثوابت الأساطير : فهو يختار العائلة اللونية المضادة لحرارة الشمس يختار ليل كربلاء ولا يختار نهارات الصحراء . والمفارقة تختفي عندما يعمل على تحوير علامات المدينة ، وتاريخها ، إلى رموز وأشكال تكف أن تقول الذي تعرفه .. فهو لا يتوقف عند الخطاب المتداول ، بل يرسم ذاته داخل الرسم .

   فالرسام يُنظم تبعثراته .. ونصه ، في هذا السياق ، لا يصير نصاً للمباهاة ، بل لغة مكتومة ، وتكتفي بالذي لا تريد ان تقوله. فلماذا تتكرر ألوان : الأبيض والأزرق والأخضر ، ولا يتكرر وهج الشمس أو جحيم البادية ؟ ان مفارقة الرسام قد لا تكون عفوية .. لان القصد فيها صار يحفر في مناطق الصمت الصفر . وعناية الرسام الحرفية تجعل رسمه بلا حرفة . فهو يهدم ، ونماذجه لا تأتي متقنة ، ومعدّة للمنافسة . فالموسوي ، على عكس ظاهرة البذخ ، يجعل طريقته أقا تكلفاً ، وترفاً . فثمة تلطيخ يفسر الدلالة ، وليس البناء ، لكنه لا يهدم الرسم أو يتمرد ضده ، بل يجعلهُ سكناً . فهل ثمة عزلة تقارن بهذا الاقتراب الذي يعمل على الوحدة ؟ أليست الحداثة ، كأستعارة ، تفسر مغزى الانقطاعات : مغزى ان المرجعيات    لا تتكرر ، إلا بما تتضمنه من حذف . فماذا تُريد الحداثة ان  تحدثه داخل مجتمعات مازالت لا تجد في الفن إلا مؤجلات وأقنعة للمداولة .

 لـذة التخفـي :

    لا تقود لذة الرسم في نهاياتها ، إلى نفع محدد . ان الفنان الموسوي   لا يُغادر سيادة توازنات الرسم .. بيد ان المخفي ، يغدو فضيحة . وسيصعب علينا أمام حافات الحديث ان نتسائل : ما المعنى ؟ لان المأزق الكلي للحداثة - في أوروبا ومنذ البدء- ما زال مربكاً . فهو حوار النُخبة أمام الانقسامات والتداخلات الحاصلة بفعل تصادمات القوى ، والمصائر .. والموسوي لا يمتلك قدرة التوقف عند البصريات التقليدية ، وإعادة محاكاة الطبيعة ، والعودة إلى تكنوقراطية تجعل الحرفة علامة داخل هذا الدوران .

      فالحداثة استطاعت ، في أوروبا ، ان تغلق مشروع الانفتاح ، ولا تحمّل الغايات أبعد من وظائفها . بيد إن الرسام العراقي – والشرقي – أمام هذا المأزق ، لا يمتلك رؤية عصر يحمل ميتات كبرى : الأب / الاله / الفن / والإنسان .. فهو ما زال يحمل ذكرى دفن تموز ، اله الخصب ، وإعادة أسطرة الدفن والعزاء بأسلوب لا تتوازن فيه المأساة بالفكاهة ، بل ينتصر فيه اللامعقول ، ما دامت الشرعيات تحكمها قواها الخاصة . هذا الإرباك ، وبما يمتلك من زعزعة داخلية ، لا يخفي منطق التخفي ، واستبدال التعبير – المعنى – بجماليات وممارسات لها مظهر البذخ اللوني ، فالرسام لا تتطابق عنده العلل بالأشكال ، بل تفصح عن تقاطعات أسلوبية لا تخفي مغزى التشتت . فالاستعارة الخفية للتكرار ، ولسنوات غير قصيرة ، جعلته بلا مركز ، عدا هذا التبعثر داخل حدود إطار اللوحة . وقد لا تكون مجازفة كتابية ان أبعدنا مصطلح (النص) لصالح التشظي والتوقف عند الأجزاء . لان مفهوم النص ذاته ، ما زال مُبهماً في تجارب أقنعة الحداثة ، فضلاً عن كونه يُشكل قطيعة مع مرجعياتها المندرسة . هُنا تغدو المُغامرة بلا شروط ، لأنها تُريد أن تتكلم . ان الرسام التجريبي ، يقع في فخ الرسم : ولا يُغادر أنظمة التعبير المتعارف عليها ، بل سيعمل على : (1) إخفاء – فضح – المعنى . (2) إخفاء الأسلوب وتركه مُبعثراً . (3) واستبدال الأهداف بمكونات – وتكوينات النص .

    فالتجربة تُريد أن تُغادر تصدعات الرسام . إنها تُريد أن تقفز فوقه . لكن الرسام يرسم تحت هيمنات اجتماعية وموروثة ، تجعل التخفي شكلاً أو حلاً يصعب تجاوزه . ولا ينفرد " شوقي الموسوي " وحده داخل هذه الخلخلة ، لكنه يُنظمها . انه يُريد لها الذهاب بالرسم إلى البوح ، جاعلاً من الفن جسراً وليس امتداداً . فالرسم العربي برمته لا يمتلك خاماته على صعيد لغة ، ذات بنية توليدية ومتجانسة ، طوال القرن الماضي .. مع ان البيئة عملت عملها وليس الحرفة ، أو عوامل الوراثة . وشوقي يدرك ان الاشتغال بالرسم ، يأتي تعويضاً .. لان مُحركات الأسطورة قد فرضت عليه قواتها ، ومداها في التطاير . بيد ان التخفي لا يذهب أبعد من أقنعة لا تنتظر إلا الإزاحة ، ولكن عبر الاستبدال .

 العلامات : الذات متعالية

  هل يصير الرسم علامة متعالية : علامة تمتلك جذورها ولا تندمج بها أو تصير محوراً لها ، وفي الوقت نفسه ، لا تصير تجريداً خالصاً ، أو قطيعة تامة ؟ ان الرسام الذي نشأ ، بصرياً وخبرة ، على ضفاف حداثات مُستعارة ، أو ولدت تحت مناخات ملتبسة ومعقدة ، قاوم غيا بالهوية – الجذور والبيئة والمعرفة المعاصرة – ولكنه – مثل أباء جيله – راح يكون علاماته باعتبارها ذاتية مُتعالية . و إذ كانت دراسته للدكتوراه قد اتخذت العلاقة بين المرئي والمخفي مشروعاً للدراسة النظرية ، والتأمل الفلسفي ، فأنه وجد ، في ذاتيته المتعالية إمكانية الذهاب بالمرجعيات حد العلامة المستقلة . ما هي مرجعيات الرسام ، في أفق  بيئة زراعية تقع على تخوم الصحراء ، بعيدة عن التراكم ، وبصاصة لكل حادث غريب ، وفي مقدمته : علامات الحداثات وما تحدثه من صدمات ؟ ان خبرة شوقي ، كمعظم الرسامين ، خرجت من بستان الطبيعة ، بيد انه لم يعد يُفكر ، داخل النص ، أن يُتابع رسمه وتحويرها . لقد كانت تجربة التحديث والفن الحديث كافية لزعزعة اليقين الراسخ بالمحاكاة والتصوير التقليدي .

     بيد ان مأزق الحداثة راح يتجلى  في مفارقاته المُتعددة (1) فالمرجعيات مختلفة (2) والمنهج ما زال تجريبياً (3) وأهداف الرسم ذاتها غير محدودة . لكن الرسام الذي حاول عدم مُغادرة حدود النص ، مكث تأملياً بمعنى صار التأمل انعكاساً لذاتية الرسام ، وقد دفعه إلى تحديد مغزى علاماته داخل التأليف التشكيلي . فلم يعد المضمون التعبيري مُهيمناً ، بعد ان تلاشت ملامح التشخيص واندمجت بالسياق الاختزالي العام لتجاربه ، كما ان دوافع الأساطير والموروثات الشعبية مكثت واهنة مما جعلته تجريبياً بصورة عامة . بيد ان تجريبيته قد وسمت نصوصه ببحث راح يتلمس ملامح بتحوير العلامات ، وجعلها تكون مفهومه للنص البديل . انه – علنياً – لم يصر ضد الرسم ، ولم يمنح المُغامرة متطلباتها التعبيرية أو بدوافع نزعات الحداثة الأوروبية ، ولكنه لم يُجرد تجاربه حد القطيعة أول يكتفي بالزخارف أو بالنزعات الجمالية المثالية ، الذاتية أو الموضوعية ، بل راح الرسم لديه – الرسم ذاته – يغدو علامة محنة جيل برمته . فجيل جواد سليم وفائق حسن حدد ملامحه برسومات متوازنة أدت إلى مُعاصرة رائدة . أعقبه جيل ما بعد 1967 – 1968 بمضامين مُتمردة وأساليب ذهبت بالفن حد صياغة رموز وعلامات مازالت شاخصة : تجارب كاظم حيدر / إسماعيل فتاح / محمد مهر الدين / رافع الناصري / صالح الجميعي .. الخ ، وهي تجارب وُلدت تحمل نزعة العداء لتوازنات أساليب الرواد ، لكنها لم تذهب بالفن ، أبعد من مداها الثقافي – الاجتماعي . وجاءت عقود تصعب تجزئتها إلى شهور وأيام ، لتمثل ، في نهاية المطاف ، تجاب نهاية القرن العشرين ، وبداية الألفية الثالثة : تجاوزت ضفاف الحداثات السائدة ، لتعلن ، بالتكرار ، إنها تنتظر بلورة ملامحها وأهدافها .

      فقد ولدت أكثر هذه التجارب من نصوص شاكر حسن ، الذي وجد في عدد من تجارب الحداثة خلاصة دفعت بالنص الى عزلته الجمالية : إنشغالات تقنية ، ومعالجات تكنيكية تقول الذي كف ان يقول شيئاً عدا هذا الذي صار لغة أحادية ، تنحاز الى ملامح البيئة والإرث . وقد وجد أكثر أبناء هذا الجيل مناخاً لمصاهرة هذا الاتجاه : مساحات لونية / تضادات / ثقوب وشقوق / خشونات ، مع تكرار المربعات والمثلثات والأشكال الحرة ، ومهارات تفكيكية مداها حدود النص .. تجارب : كريم رسن / فاخر محمد / عاصم عبدالأمير / هناء مال الله / غسان غائب / سلام عمر / هاشم حنون / أياد القره غولي / ضياء الخزاعي مثلاً .. فما الذي سيجده شوقي الموسوي ، وسط محنته تجاورها تجارب تقليدية ، وواقعيات محورة ، وجماليات شعبية ، أكثر من شك متواصل لا ينتظر إلا نزعة متمردة لا تُغادرها المغامرة : مع ملامح نظرية – فلسفية ، تُعيد للمعنى صلتهُ بأهداف الرسم وأهداف الرسام . هُنا سيأخذ الرسام مفهوم الظاهر بُعداً لا تتكرر فيه علاماته ، داخل أناه ، ولكنه سيبقى وليد الدافع حد المفارقة أو التضاد .

         فالرسام سيحور أشكال الطبيعة والأشكال المعمارية الدينية بصفتها أبجديته المتجانسة مع وعيه في التأليف التشكيلي . فالرسام لم يعد يُنصص – كما فعل شاكر حسن ، والجيل الذي راح يُنصص في مصائر هذا الاتجاه الذي لم يفقد تعبيريته تماماً ، ولم يصر تجريداً خالصاً – داخل نصوصه ، إلا الذي كوّن الخطاب العام الرسم في العراق . فلم يُحدد مرجعياته بصراحة ، ان كانت عند أحد أساتذته أو عند فنان بارز ، كما كانت للفنان ( تابيس ) تأثيراته المُباشرة والصريحة ، على حقبة من الرسم في العراق ، بل انحاز ، وبأثر الدراسة النظرية ، نحو تحديد ملامح ألانا المُتعالية ، في صياغة العلامات ، حيث النص ، ذاته ، صار حقلاً للحذف والإضافات : انه لم يعد متجانساً ، حيث العلامات لم تعد تحسب حساب الرموز ، والنزعة التعبيرية لم تعد تقول الذي يقع في المجال النفسي . فالحذف صار يشتغل بنزعة ألانا  في جدلية بين الشعور والمثال ، حيث الأجزاء – النصوص – تكرر- وتكمل بعضها البعض الآخر : انه ، على العكس من تكرار الجسد عند شداد عبد القهار ، الذي يكتفي بالنص الواحد ، وعلى العكس من نصوص فاخر محمد التي وجدت انتظامها ونموها ، وعلى العكس من تحديد مغزى الأشكال المدمرة حد غيابها عند كاظم نوير – نراه لا يكتفي بالنص الواحد . فالأخير – ذاته – متاهة .

    بيد ان التكرار يأتي ليُفسر نزعته التوكيدية لنص تشتبك فيه المرجعيات مع نزعته المثالية . التعالي بالانا في منح العلامات مغزاها الروحي مثلاً – واستذكار البيئة كحقل مُشفر للتأملات الداخلية . فشوقي لا يلعب ولا يتلذذ بدافع بحثه عن لا مبالاة أجمل ، كما – عند جيل وجد المديات مرتدة ، والأساليب أقل إثارة ، كما لا يتوخى صياغة النص كعلامة – سلعة – ينتظرها الآخر – السوق – والوسط الثقافي الغائب أو المجهول – بل صار يتمثل المصادر ليعزلها ويكونها بصفتها تشذيبية – مواجهة لمرئيات لا تقول الا الذي سيحوره الفنان بحثاً عن توازن بين ما تشكل لديه ذهنياً وبين حقائق الشعور بالعلامات المرئية .. إنها مزاوجة تخفي مرجعياتها ، وهويتها أيضا ، كما إنها تبقى تبحث عن نظامها في شفافية الرسم وفي تحديد سماته الجمالية

 

الاسس الجمالية للوحه الجديدة

حامد الهيتي  - جريدة الجنائن

نقف أمام أعمال الفنان التشكيلي " شوقي الموسوي " ، فإننا نقف أمام إيماءات جادة .. رصينة .. ذكية ، ومن هنا .. فان هذه الأعمال تتخذ بذلك دورتها الجديدة المُغايرة .. لماذا ؟ لان شفافيتها هُنا تتجمع فيها أكثر الاستنفاذات العلمية والهلالية أولاً ولأنها ثانياً لا يعنيها مثل هذا التحديد بالذات ..         

    لنقل إذا : إن أعمال (شوقي الموسوي) تبتعد عن تلك ألهويات (الزائفة) التي يوضع داخلها الإنسان ..ولنقل إنها سجنه .. كابوسه .. شبحه .. وإذا ، فالمحنة واحدة . وهي  لذلك تبقى تتحرك باتجاه الزمن الذي يأبى إلا أن يتصاعد إلى قلب لوحته.. هنا ترى اللوحة تستحيل  وبلمح البصر إنسانا ما طائرا ما....يتشبث بكائن غريب ..أسطوري..انه كائن (الفينيق)الأسطوري في أعمال (شوقي) يتجه الإنسان صوب المحركات الإنسانية للوجود البشري برمته.. ويتجه بخطوات متباطئة ..نحو عنصري الموت والحياة..من هنا يبدأ الفنان بخلق لوحته الجديدة..ولكنه يتركها ناقصة التكوين وغير متكاملة الأبعاد ، من هنا حيث العالم الذي يفرض نفسه في اللوحة ، يجيء (شوقي) ومثل كل النواعير الفراتية العاشقة تدور المشاعر الوجد في نسق سرمدي جميل آسر لتسقي صفاء الروح..وتسقي عطشها وكل الشجر والإعشاب الجافة و (شوقي الموسوي) يتحمل هنا كل مسؤوليته الجسيمة في مضاعفة المد في نفوس شخوصه وإيماءاته الرصينة في اللوحة ..يمدهم بالألفة والديمومة ودم المواصلة أو التراجع ،لا يهم مادام الأمر كله مناطاً بـ (شوقي) نفسه .. وهو لهذا يتحمل تلك المسؤولية الصعبة كي يضل ذلك الفارس الذي يجلجل في مساحاته اللونية الجريئة..

    في لوحات (شوقي) يصبح الفنان جزءاً من اللوحة ، بل يصير أحياناً جزءاً مكملاً لعالمها ممتلكاً بالضرورة حرية اختيار العمل وطريقة ممارسته . ولان كل تكويناته قد انطلقت من مبدأ التشكيل التعبيري . فان مادة شوقي كما تبدو لي في الأقل هي وجهة أو بعبارة أخرى (تاريخ وجهه)إلا أن هذا الوجه لا يأتينا بشكله كما نعرفه . بل ضمن مواضيع وأشياء تقطن هذا الوجه وتزاحمه..لا نستطيع أن نقول : انه يتعامل مع التجريد لكن في النهاية نكتشف إن رسومه ليست بالتجريد الشامل ..كونها تطرح مواضيع ثقيلة ومن نوع خاص .. وجوه إنسانية ..طيور.. كائنات مجردة من كل شيء إلا من إصرارها في امتلاك العنفوان ..أشكال هندسية متداخلة وهذا ما يدفع الفنان إلى تحقيق المزيد من الرسوم لأنه يمتلك وعياً بشكلها وبمضمونها على شكل الكامل وعلى السواء.ويفهم العلاقة القائمة بين الاثنين معاً.                                

 

مرجعيات الرسم وشفافية التحول

عادل كامل - جريدة العرب اللندنية

توقيع في مصير الأسلوب ، يخفي ماضيه ، ويتحايل على مرجعياته ، وفي الوقت نفسه ، يتعالى للإعلان عن أدق التفاصيل ، بعلاقة شفافة بين المخفي والمُتعالي المُعلن ، إن أية محاولة للتحليل ، والحكم ، لن تفلت من جغرافية العلاقة الشائكة لمصائر الأسلوب بين جذور غائصة في اللاوعي ، ومؤثرات كلية هي ثمرة خطاب العصر . شوقي الموسوي بهذا التحديد ، يتمسك بتحولات المرئي، بتضادات  الماضي ذاته ، وبرغبة للتطهر على صعيد تقاليد السطح التصويري . فالرسم ، منذ كهوف التامبرا ، ومنذ ذلك الزمن ، يسعى بالمعنى للاعتراف بالامتلاء ، كي لا يُمثل الرسم ، إلا الرسم ، بعيداً عن ضرورات الشرح .

      إن المعرفة التي لا تسعى للتباهي، تمتلك لغزها : العلاقة القائمة بين المعبد ومحتواه : بين الصوت ومداه : تلك التحولات الأبدية التي شهدتها المادة، خارج الوعي. وبداخله ، بحكم قانون لا علاقة له بالحرية أو الضرورة، وإنما هو قانون متجانس بين الحدود، كي يأخذ المشهد الجمالي في كل لحظة وجود، وحدة الزمن، وسحر (ألانا)-التوقيع- في أزلية الكل.

   شوقي الموسوي المنحدر من نبض فصول الطبيعة،المتمسك بسحر الرسم  ،لا يتخلى عن المعنى ، إلا بمنحه روح الموسيقى كتجريد بكامل جذوره فماذا يتبقى من (المعنى) إذا قال كل ما فيه وباح بمحتواه،لا يبقى الصمت،الأمر الذي يجعل انشغالات الفنان،انتقائية ، ولا تعمل إلا في المناطق المجهولة. واليوم في التاريخ التذوق الجمالي للموسيقى نستطيع تلمس الحدود التي لا تعنينا :

إنها حدود الصانع الأكبر وما نسمعه بالبصر بالفيزياء وتحولات المعادلات وكيائياتها وهي بعض الفيض: هذا النعيم بين الأبد والأزل : يحمل معناه في ذاته، ولا يتعدى الحدود :الموسيقى المرئية، بهذا المعنى،لا علاقة لها بالرموز،أنها قائمة في منطق العلامة : في العناصر في الشغل أو اللعب في السرد الذي لا يحكي شيئا وفي النهاية ، لرسم حدود النداء ، والمؤانسة في تجارب شوقي الموسوي نكتشف (الصدق)- (العفوية) التي تعمل على الاعتراف ، وتأخذ الخبرة المبكرة ، الآخذة بالتكامل ، مأخذ النزهة لتأمل غير مكترث بالدلالات.

    إن الموسيقى، تذهب مثلما أتت ، كعلامة وجود وكعلامة غياب والاستثناء الأسلوبي الزاخر بأزمنة وإلغاءات ، بلوعة التصادم،وعناد، وفتن مقدسة، يعلن حضوره ليخفيه...فكل كتمان داخل الحدود المرئية - ومحركاتها – المسموعة - يعلن عن جلال المخفي: لان الجمال ليس مقولة، انهُ ينفينا داخله ويجعلنا في ابتهال مكشوف تحت سماء تدربنا على انتقاء خطانا في المسافة هذا المنحنى بما فيه من وعي تجريبي وخبرة ، فيه اللغز الذي يقع بعيدا عنا:إننا لا نسمع ما يأتينا بل نصغي للوحدة التي هي امتلاء . هي نقطة حاملة لعناصرها والمجال الخاص بالرسام كإشارات المتصوف وتوهجه لا يقول ما يعرف ، لكنه ليس في متاهة . انه - هو - علامة وجوده.

جنينية الرؤية:

   بحكم اثر النص في الآخر؛ المتلقي الخاضع لتدريب عصره فان أثر الحداثة غدا شائكا الحداثة عند منتجها ، ولدى المتابع وقبلهما هناك عوامل صناعة الرؤية ، بحسب علاقات متداخلة لعصر ما بعد الحداثة . بيد إن للقواعد (الجذور)هيمنة غير قابلة للنسف بيسر. شوقي الموسوي بالفطرة وبرغبة التعالي الجمالي اشتغل في مجال الخطاب السائد : صناعة النص المستقل ودفع الرغبة الفنية للإفصاح عن افتراض خزين اللاوعي الفردي .إن هذا المجال الافتراضي لجغرافية بلا تاريخ يفسر اختياره للتكوين المتوازن غير المنغلق حد التمويه، ولد المنفتح كفضاء بلا حدود . ثمة نقاط وخطوط وفجوات ومساحات تتداخل كأنها تكبير لحركة جنينية مكبرة بصورة توكيدية لعملية نشوء : في هذه المشاهد يأخذ البعد الأنثوي مداه باعتبار العالم حركة توليدية لكل تفكك حتمي للعناصر.

     لنتخيل حركة الجنين في بدء تلقيها لنبض الحياة : حركة دائرية في حدود الرحم : في حدود سطح اللوحة.. حركة كتل تسبح في فضاء يتسم بالشفافية. فالنقطة ذات التاريخ المتشعب النواة ، تجعل إيحاء الحركة بصرياً ومن ثم فكرياً . أن لا وعي الفنان وهو يثبت توقيعه عبر الخطاب الحداثة القديم ، العفوي والمتقن ، يختار رؤية التفاصيل المكبرة للأجزاء اللامرئية . أنه افتراض لا نعول عليه ، إلا كأحتمال يخص محاولة الإمساك بالطيف الذي يراود المخيلة : حركة غامضة وسعيدة للجنين ، وليس لكوكب في الفضاء الشاسع ، يجعلها مصممة كتعبير للنقطة في علاقتها مع العناصر الأخرى .  لقد ظهر ذلك في أعمال كاظم حيدر الأخيرة في التعبير عن حركة الداخل بين الموت  والحياة . عند الموسوي ثمة توكيد لإرادة الوجود : الفن ووجوده الذي يتجاوز المعنى المباشر ، نحو إرادة تحمل اندفاعها الفيزيائي ، الجمالي ، كافتراض رمزي يمنح الأشكال العضوية مكانة صريحة بعيداً عن الاختيار للأشكال الهندسية أو لأي تناظر وتماثل ، ولكن الأشكال العضوية في فضائها الداخلي تنتظم بقانون حركة نشوء النواة والبحث – رمزيا أو بقوة الإيحاء- عن وجودها المستقل في المكان والزمن .

     بيد إننا في هذه المشاهد نبقى في حدود شفافية الماء على صعيد العائلة اللونية وعلى صعيد دراسة المساحات والأشكال والخطوط دون إثقال النص بالمعنى التشريحي فالفنان يرسم  وعيه الداخلي بزمن التكوين :  زمن الفن ، وبزمن يخلو من التصادم الحاد .

 

تجربتان في الرسم العراقي

عادل كامل - جريدة العرب اللندنية

إشــارة :

       في عُتمة الليل ، دفع زميلي الفنان ، أجرة التاكسي ، وهمَّ بالمُغادرة ، لولا انه قال للسائق : هات المبلغ .. هناك ، ورقة مزورة !! .. هذا المثال جعلني أستعيد تجربة الرسام الذي رفض أن يغش الآخر ، فكيف يفعل ذلك مع نفسه . ان شرعية الصدق ، تتوازن مع الخبرة ، الى جانب المعرفة . والنص الجديد ، في فاتحة الألفية الجديدة ، هو مُحرك للتيارات والأساليب الفنية .. ولكن يصعب علينا العثور على نتائج أخيرة ، ان الدور المعرفي ، لا يتخذ سمة الحوار الجمالي ، والعملي فحسب ، بل عليه أن يذهب إلى جانب مناطق يسعى الفنان للوصول إليها ، فهناك عوامل تُسهم ببلورة النص المُناسب ، الذي يُخاطب حساسيتنا ، وخيالنا الأبعد ومنها دور الحوار الشفاف في بناء التجارب الجديدة .      

       ثمة في كل تجربة مغامرة شجاعة تحاول استبصار النص ، واللامرئي فيه . شوقي الموسوي ، أكمل دراسته الأولية للفن ، في كلية الفنون الجميلة ، ويتابع دراسته العليا  ألآن .. أقام معرضه الشخصي بهاجس الإعلان ، كحقيقة لا غبار عليها:الإعلان عن علامة الرسم ، ضمن جغرافية بغدادية مترامية الأطراف ، على الرغم من وضوح إبعادها وتفاصيلها . بدأ شوقي متأثراً بالتجريد –التعبيري الذي أصبح معروفاً، منذ أكثر من نصف قرن في أوربا ، وفي مختلف البلدان ، لقد ظهرت تجارب واتجاهات عديدة ،مُتناقضة ، بحسب أوروبا ، من خلال القرن العشرين ، وكانت هذه الاتجاهات والأساليب ظاهرة عالمية ، كما في كل التجارب، ظاهرة تسود لفترة من الزمن وتختفي أو تتخذ شكلا آخر ، فكما أثرت النصوص المصرية أو نصوص حضارة وادي الرافدين في مُختلف الفنون القديمة أو المُعاصرة ، فإن النصوص الأوروبية ، لها هذا الدور ، أو بعضه ، بحسب رد الفعل والاستجابة ، مادام الفن ، والبصريات والجمال ،  له صلة بالحياة الشعرية للسكان .

      إن شوقي الموسوي مثل زملاء له ، وجد مادة كاملة التكوين .. والعناصر .. والنتائج الجمالية ، في التجريد التعبيري في الاختزال درجة العلامة .. وفي التعبير درجة بلوغ الموسيقى والإيحاء الخفي للتكنيك على صعيد الحساسية ،والإيحاء والشفافية . فالخطاب الفني العام ، بهذا البعد ، يتطلب الهوية ، ومن الهوية يضعنا في عناصر التوقيع : حضارة الفنان وثقافته ، وابعد من ذلك ، يتطلب الوعي بالخصائص الداخلية لرؤية   الفنان : عقله .. وتاريخه .. وكيانه الداخلي .

      فالتوقيع هو الذي يكمن داخل النص الشفاف ، داخل البنية التي تتماسك وتتوازن بين الفنان والأخر ، فالنص علامة في الاتجاه، متميزة بعناصره ولا مرئياتها ، وشوقي ، ككل الموهوبين من الجيل الجديد ، مسحور بالاختزال ، بالإشارات ، وبسطح اللوحة. وملمسها ، يسعى لإنجاز تصاميم متقنة لتشكيلاته ، ومقنعة له ، كرسام في أول مسافات الوعي بالخامات ، والقماش والعناصر والأسس التي تتوخى أدق العلاقات البنائية .

      فالرسم ، في الأخير ، مهارة وضع الإشارات في مكانها المُناسب ، بغية بلورة المناخ ، كما النشاز في الموسيقى ، يُدمر البناء العام ، تتهدم اللوحة ان لم تشيد جيداً ، ومن الداخل يوضع كل شيء في مكانه المُناسب . شوقي يحلم ، وهو يمضي ببناء عالمه ، الخيالي بسحر الموسيقى ، وليست هذه مثالية ، ولا ميتافيزيقيا ، ولا محاكاة أرسطية ، وإنما هي مزيج من دوافع مُختلفة ، دوافع الرسم الصافي ، وهواجس المعنى الرمزي ، والجوهر النبيل الشفاف الصوفي ، للتعبير عن جلال الشكل الجمالي . إن شوقي الموسوي ، بدأ أول ألألف ميل بمغامرة الخطاب العام : يتوق المعنى عبر البصريات ، أكثر من الرموز ، والإيضاح ، والإحالة ، فقد أراد لنصوصه أن تقول ما تريد - أو تملك - أن تقول ..

       ليس ثمة تاويلات ، وإنما هناك إمتداد من حساسية الخامة إلى العين ، عند المشاهد كمكتشف للنص : حساسية الرسم الذي يكمن معناه فيه ، معناه كرسم وليس لغة ثانية ، وهذا الاتجاه في الفن يستعين بأشياء أساسية كالرسم السابق ، مع عناية بالبيئة ، بعيداً عن الحدث القصصي ، وهو الذي جعل الموسوي  يهتم بالموسيقى إيحاءً بالحركة ، وبالتكوين المفتوح ، أو نصف المُغلق ، وهو الذي جعلهُ يتأثر ببيئته (كربلاء) الغنية والمشحونة بألوان البساتين ، وباعتدال المناخ ، وبضرب من الحياة الهادئة ..

      إن تأثير البيئة يُفسر ولعله بالجمال ، بالمناخ المنسجم ، الحلمي ، ولكن الذي يخفى معناه داخله ، كما في كل نص يمتلك المُعادل الموضوعي ، ان خطوات الفنان في فضاءات التجريد ، بلا حدود .. والتوغل فيها ، يشبه من يذهب إلى غابة في عتمة ليل بارداً وهنا تكمن لذة المُغامرة ، وجدارتها في الشروع .

تداعيات الجسد والانفلات من المعنى

قاسم عباس بلاش - جريدة الصباح

إن امتلاك الشكل الفني رموزاً ، من خلال تسخير الجانب الروحي ، لاعتبار الرمز أداة كشف لما ورائية الأشياء ، لذا فهي طريقة انطلوجية مبنية على نقائض ذاتية تستند إلى تحليل مفاهيم (المرئي واللامرئي) ، والتي تفسر من خلالها عناصر العمل التشكيلي ، المعبرة عن الوجود قبل المعنى .

     أي أن الانفعالات هي التي تكو ن الجانب المرئي ، عبر خليط من المراحل الحضارية الماضية والحاضرة والتي تصنف تحت عناوين غير قابلة للجدل ، أو رموز تجريدية ، لتأخذ انطباعات الحياة باعتماد المنطق الذاتي الكامن في أعماق العمل التشكيلي المختلف عن الفعل التقليدي ، ليتضح ذلك في أعمال الفنان د.شوقي الموسوي من خلال بنائها الذي يحيل المتلقي إلى فضاء المطلق ، الذي يترك حشداً من الانطباعات ، التي تؤثر في ذهنية المتلقي ، عن طريق عدّة دلالات ، مُقتبسة من الحالات الإنسانية التي لا يُمكن فصلها إلا عن طريق تحليلها إلى علاقات متعددة لان القوى الكامنة في العمل التشكيلي المتمثلة في المرئي واللامرئي وعلاقته بالواقع ليصبح كل شيء مرتبطاً بالمطلق ؛ باعتبار ان كل وظيفة للروح لها سمة ذات صلة بالمعرفة الادراكية فهي لا تقوم بمجرد الاستنساخ ، بل إنها تجسد إلى حدٍ ما  قوة خلاقة لا تقوم على تفسير وجود الشيء تفسيراً سلبياً ، بل تحتوي على طاقة مستقلة للروح والتي يكتسب من خلالها الوجود لظاهرة المعنى محددا ومحتوى تصويرياً معينا ليأخذ الرمز سردية الأحداث وتلخيص الموضوع .

        حيث الجسد يأخذ قلب اللوحة ، والألوان حركة من الموسيقى ذات إيحاءات متعددة التأويل ، عبر عقائد وثقافات يستوحي منها الفنان شوقي الموسوي خامات لوحته ليحولها إلى أداة روحية عن طريق إدراكه لما ورائية الأشياء ، وما تحويه من قيم وجودية ، تُعطي للعمل التشكيلي طاقة عبر كل ما في اللوحة من معانٍ مقصودة .. مما يترك إثراءً تشكيلياً لتكوين اللوحة من خلال التضادات التي خلقت دراماتيكية تمتزج فيها الحياة والموت عبر كل ما تفرضه من سلطة وما يضيفه طابع الخلق الذي يدين كل ما هو غير إبداعي ، مما يعطي اللوحة من الناحية التشكيلية حالة من التأمل وحركية تعطي للشكل الجمالي متجهة نحو الوسط وبالرغم من قلة التشخيص فان الايحاءات تكفي لقول أشياء كثيرة وطرحها من خلال اللوحة حيث استلهم الفنان الألوان الداكنة التي تضيف على اللوحة جو المأساة وفي مركز ثقل اللوحة الجسد الممتزج بالألوان موحيا بتفجير شديد.

      اما على يسار اللوحة كف يبكي جسده القتيل ، وجانبه القدم التي تشعر بالذنب لتدين اللوحة الصراع في الحياة ؛ أي إن هناك فعل ورد فعل المتمثل بالجسد والأشلاء التي تسبح باللامكان ووضع كل ما هو يؤرخ الحدث وجعل العمل يترك.صرخات بين قوى الشر من جهة وقوى الخير من جهة أخرى في كل زمان عبر مضمون يدركه المتلقي كل هذا يساعد في شمولية وعمومية اللوحة.

 

تشكيل اللوحة بموسيقى الذات

 قاسم عباس بلاش - جريدة الصباح

إن العلاقة بين المخفي والمعلن هي محاولة للتحليل والحكم والانفلات من جغرافية الأشياء وجذورها المتكونة في اللا وعي ، التي هي أحدى ثمرات الخطاب الجمالي ، الذي يمسك بتحولات المرئي بتضادات الماضي في فعله الانطلوجي برغبة التمظهر على صعيد التصوير السطحي للعمل الفني ، وامتلاك الزمن ، الذي يسعى بالامتلاء من الضرورات المؤدية الى إظهار المعنى وفهم لغزه عبر العلاقات بين الشكل الجمالي والتحولات التي يشهدها خارج الوعي ، بحكم علاقة العمل الفني بالضرورة ، ليأخذ المشهد الجمالي حدود النداءات وهي تقتبس الفيض من خلال عفوية المنتج ، التي تكمن في سرية العمل الفني ونظامه الخاص تحت وطأة التأمل وتلاشيه في ما يحدثه العالم من سلبيات مضمرة ..

     ومن هنا تأتي تجربة الفنان ( د. شوقي الموسوي ) في إثارة عدة تساؤلات وإشكالات تخص طبيعة الأسلوب الفني ومحتوى الخطاب الجمالي ، بمصادره وخاماته الأولى التي يتجاوز فيها الطبيعة ، من خلال اصطناع رؤيا بعيدة عن حدقات المشاهد عن طريق اختيار عدة زوايا للمشهد الواحد الذي يمثل رؤية الموسوي ، التي تفصح عن الموقف الجمالي بتحويل خطابه إلى ضربات من الموسيقى تستمد مضمونها في رموز تفصح عن إحساس المنتج ومدى عنايته بخلق معادلة بين اللون والشفافية الموسيقية التي توحي إلى لغة داخلية تمثل موقفاً ورؤياً .

       هذه الوحدة تجعلنا نتصور العالم بضراعة المنتج وحبه مباهج الذات المختلفة عن المحيط ، باختياره الفضاءات بدقة ليحرر اللوحة من الاكتظاظ غير المبرر ، بأقل ما يمكن ، فالفضاءات مدى الموسوي عبارة عن ضربة متكاملة في شفافية اللون دون تقطعات أو تهويمات عبر اختزال اللحظة وتبسيط مقصود لهذه المساحة على مستوى اللون أو الخطوط باستثمار عنصر المعنى لبلوغ خطابه الجمالي ..

 

      إذ انه يلجأ إلى الحوارات الموسيقية وفق سياقات نفسية وبيئية مبنية على جدليات العلاقة الكونية في اللوحة ما يخلق رابطة متينة بين الحدس والإدراك وخلق رؤى مداخلة تحاول التأثير بالمتلقي وهذا يأتي عبر سلسلة من الايحاءات الدالة والمؤثرة في آن واحد ؛ لأنه يدرك جيداً أبعاد منجزه الفني عبر قناعات تمنحنا الإحساس بالمطلق ، وذلك من خلال إشراك الذات المتحدة بعناصر الوجود لذلك فان التعبير توزع بين مساحة اللوحة على شكل اضطرابات تاريخية تتوسط اللوحة لتأخذ المركز الذي يفسر الموسيقى على انه الهامش الذي يخصب به اللوحة بصدمات التجربة التي تعاملت مع اللا حضور بحساسية الاشتغال التي تقع تحت تأثير يتعدى حدود المفاهيم التقليدية التي تتجاوز توريث الموروث والواقع الذي ينظر إلى الرموز بوصفها أدوات تقييم بين الدال والمدلول وبذلك تكتسب اللوحة شرعية الموضوعية. 

 

حساسية الرسم وجمالياته

عادل كامل - جريدة العراق

في الرسم العراقي ، يُحقق جيل نهاية القرن ، مغامرة الانتماء إلى جيل يتطلع لوحدة الحرية بالأسلوب ، مع احتفاظ غير مباشر بتراث  الأجداد . شوقي الموسوي ، يمسك بنبض الفن : بين الرسم والموسيقى ، في الخطاب الكلي للفن . انه يبحث عن الرسم الخالص ؛ من غير وساطة أو شروحات .

       لوحاته تخفي محتواها ، لتمسك بالجمال الروحي . فالهوية لا تكمن في التكرار ، والريادة لا علاقة لها بالزمن : إن الحداثة مازالت قائمة أمام متغيرات الأساليب والرؤية : شوقي الموسوي  يمسك بذاكرة بكر : باستعادة براءة كامنة في الحركة والألوان .. فثمة مهارة في الاستذكار ، وأخرى ، في تنظيم عناصر العمل الفني ، انه يختار تكوينات متوازنة -  إلى حد بعيد - بين الانفتاح والانغلاق : فهو يختار الرسم كمصير لحياته وبتدفق لا يخلو من الصخب والفوضى .. ولكن  إحساسه المرهف بالأشياء الجميلة أو بنبضها ، جعله يمزج بين الشعر والرسم من ناحية ، وبين الموسيقى والتشكيل .

     ثمة وحدة بين هذه الروافد للتعبير عن لوعة داخلية ، لوعة غير منغلقة على ذاتها ، بل أصبحت مرئية ، واقرب إلى الموسيقى . فعالمه زاخر بالإشارات والعلامات والرموز ، وكلها معالجة بشفافية تعبر عن صداع أو تضاد وحركة دائمة في أعماق الفنان في بنية اللوحات :

     إن هذا الصراع لا يكمن في حيوية اللوحة ، أو درجة حساسيتها فحسب ، بل في المناخ العام : في جوهر الرسم ، والأداء ، والإيحاء البصري – الرمزي لمغزى جماليات الحداثة . فشوقي الموسوي لا يغامر في اختيار الاختزال ، والتجريد ، إلا كوعي  يناسب الخطاب الجمالي لحضارتنا .

       فالانشغال بالرسم ، كبنية خالصة ، يفسر جوهر تجربته بالانحياز لهذه اللغة ذات الجذور الموغلة بالقدم : انه يذكرنا بتاريخ الرسم منذ عصر الكهوف وحتى اليوم ويرجعنا إلى الطبيعة ، بما تمتلك من عناصر وأسرار وخفايا .. فهو شديد التمسك بالمبدأ الحيوي ، محتفلاً  بالمرئيات ، كطريق وحيد إلى الجوهر : ذلك الفرح الأبدي بين الأجزاء والمطلق .

      إن مهرجان الألوان ، في أعمال الموسوي ،  يؤكد موهبة الفنان الشاب في اختيار الأسلوب الأكثر معاصرة ، والأكثر صلة بتاريخ الرسم .

        إن شوقي الموسوي ، يرسم الشعر حيث الرسم موسيقى ، ويروي لنا ، بالرغم من أزمات عصرنا ، احتفالياً الامتداد نحو الغد : هذا الاحتفال النذري ، كطقوس في معبد ، وكان رسوماته قد نفذت فوق جدران حضارتنا المعاصرة : حضارة الموت والترقب والكفاح : إن موهبته تضعنا في الانتظار ، بعد أن امسك بجماليات الرسم ، وعنفوان المغامرة وحساسية التجريب .

 

سيمياءالتواصل

د.محمد ابو خضير - جريدة العراق

للخامة عنصرا جمالياً في فن الخطاب الرسموي ، كيفيتها الخاصة في التعبير والتحول وقبل ذلك البناء . وإذا ما أُتيح لنا فرز مظاهر شكلية لها مقدراتها الشيئية ، فان للنشيء (المرسل) قصديته في خلق جدلية التواصل والانقطاع وفق مفهومات الاسلبة والتغريب.

    وفي منجز الفنان التشكيلي (شوقي الموسوي) في معرضه الأخير على قاعات مركز دائرة الفنون/ بغداد / 1999 تتطلع علامة الشبكة كمهيمنة أحادية أو علامة كبرى ، هي من تُحدد مسالك وفواصل التواصل محققة اشتراطات الكفاءة السيميائية كونها بنسبة صورية ومادية.

    وهي أي الشبكة حامل اتصالي متقدم على عناصر الخطاب الرسموي ، ليتحرر عبرها إدراكنا من عادات التشيىء والنظير المرجعي – الواقع- النص.

    فالخطاب وان إبان عن استلافاته التعبيرية فانه في سعى لتأسيس آليات الاتصال داخل مديات الفن ذاته ، دونما إبراز لخاصية الخامة ذاتها والتي والتي تُعد في العموم استلهامها  لمكوناتها الايقونية من فضاءات / الخارج (أوراق – صحف – عظام -  قطع أشجار... ).

       وان لعلامة الشبكة في لوحات شوقي الموسوي جدلها التعبيري / ألاتصالي قي تحليق علاقات التضاد والتقاطع وزحزحة مركز الخطاب التعبيري وسوق المتلقي إلى هوامش ومجهولات الفضاء المؤسلب ، وأشغال الفراغ والتوظيف اللوني والمساحات الاتصالية ؛ ليكون للسطح التصويري وعورة التضاريس ، حيثما يشرع المتلقي في مسحه لخارطة الخطاب  .

       فثمة انشطار تعبيري - وبنائي يقوم على الثنائية اللسانية – تعاقب – تزامن ، ذلك إن علامات الخطاب ومنظومته تلك التي لم تسعها تدثرات علامة الشبكة (الكبرى) تملك بعداً أحادياً إزاء نظائرها المحتواة تحت مملكة الشبكة السيميائية وفي وقت تمكنت العلامات اللونية والكتلوية المغلفة بعلامة الشبكة متيقنة من تحولاتها ومداليها  الرامزة، تستكين علامات خارج- الشبكة أحاديتها فثمة تسارع لمتلقيها لتنضيدها ورصفها ومدلول بذاته.

      وتضمن علامة الشبكة لمتلقها مسوغات المشاكسة حيال التعيين والتحين والاحالة . فالفجوة بين السطح التصويري والمصدر العلاماتي – الايقوني من السعة ما يُقلق المتلقي في رحلة الذهاب والاياب بين – المرجع والتوظيف الجمالي ليستقر رأي المتلقي – في الفن ذاته مرجعاً تعبيرياً .

     إن الجهد ألاستقبالي لخطاب (شوقي الموسوي) له استنزافه في متابعة المكونات الإرسالية ، فتعاقبية الإنسان مرهونة بتزامنية لها بؤرها في فضاءات الخطاب ، فالعلامة تترافع عن ذاتها بذاتها وبزهد جمالي مرموز دون شهود للواقع المرجع ، لتشاغل محمولات الخطاب متلقها في منطقة مشروطة بدلالات الخطاب ذاته ، لتستبدل الخارجيان بماهية التشكلن والتحفيز التاويلي.

       إن الوقائع الأسلوبية لدى(الموسوي) هي ما تعني بإنتاج المعنى مستوفيه لبلاغتها الشكلية . إن على مستويات العلامات الجمالية أو اندفاعها نحو متلقيها أو صياغتها الشكلية .

 

شفافية الرسم وتحديد الرؤية

حامد الهيتي - جريدة العراق

إن الدلالات الفنية التي وردت ضمن التشكيلات اللونية للفنان التشكيلي (شوقي الموسوي ) ، قد كشفت لنا عن نسق فني ظلّ يتصاعد داخل اللوحة الواحدة ..واستطاع أن يدركه المتلقي أيضا لما فيه من وضوح هذا الفنان من خلال نتاجاته الفنية وفي آخر معرض شخصي له خلال العام الماضي بالذات ، يطرح لنا أشكالاً ونماذج اكتسبت بالفعل طابعها الهارموني ، الذي اعتمد اعتماداً كاملاً على التجانس اللوني الشفاف مع ضرورة الالتفاف إلى ابرز معالم الجانب المهم والحيوي..ألا وهو(الموضوع) الذي ورد هُنا تقريباً بعض الشيء وقريباً إلى عمل الدهشة ، أن الموضوع عند (الموسوي) قد جاء واضحاً في أعماله واستطعنا أن نحس بوجوده وسط عالم لوحته..وهو إذ ثبت للوحاته وإعماله تلك جواً واحداً ظلّ يتكرر في أكثر من لوحة يدفعنا إلى إطلاق تساؤلاتنا العديدة التي سرعان ما تقودنا إلى الإجابة عنها بأنفسنا.

    ان استعمال ( شوقي الموسوي ) للرقائق والفراغات في أعماله كان مبالغ فيه لكننا لا نذكر ان توزيعه للأشكال والمفردات الأخرى هي ما أسقط أمامنا النوازع التي تمثل بمجموعها هيئة (موضوع) واضح .. إن مشكلة الفنان هي كونه يطرح على نفسه سؤالاً مهماً هو : ( كيف أنظر إلى الحياة والى نغمها المتصاعد في الروح البشرية..؟).  

 

     أن كل أشكال وشخوص (شوقي الموسوي) تظل لاهية.. بل تعدو في الصحراء .. صحراء حارقة .. وهمية .. قاحلة ، وتتوزع في أركان هذه الصحراء الجافة ملايين المعاني الصامتة .. وتتكدس من حولها العديد من الآمال حتى تتحول هذه النماذج إلى كيانات مرتجة خائفة... مذهولة لا تُريد أن تُفصح عما في دواخلها إلا باللون الهادئ..المتجانس و إلا بالعلاقات اللونية بعضها مع البعض داخل البناء اللوحة .. في زحمة الأشياء المخيفة..المرتدّة أبداً إلى لغة الحضور الدائم..

     وفي رعب التناقض بين الإنسان وقدره المحتوم وبين مزاج الظرف الذي يعيشه الإنسان العراقي وسط الحصار الأسود ، الذي وضعه المارقون والقتلة ، وجدت بعض أعمال ( شوقي الموسوي ) نفسها في حالة مباغتة لا تسمح لها بدغدغة جند السذاجة أو مداعبة روح التسطيح لان مهمة الفنان هنا وفي هذا الموقف تتحدد في ضرورة الغوص والتجذر في أعمق المساحات النفسية والروحانية للإنسان .

      فلا غرابة إذن إن نقول أن إعمال الفنان ( شوقي ) التشكيلية كان لها تسجيل لكل الأشياء الجميلة والمتداخلة عبر سنوات كفاحه الفني غير القصير.. وانه أيضا لا ينتمي إلى زمن محدد ، انه يختزل كل طاقاته وإبداعه من اجل توضيح مقاصده الإرادية الملحة.. وأذن ..فالألوان أو(صراع الألوان)عند ( شوقي الموسوي ) إن هو إلا خلق لما هو (إبداع) عبر مراحل زمنية متباينة

 

بنية العنوان والانصات الى اللون

د.محمد ابو خضير - جريدة الثورة

عبر تاريخ التلقي للخطاب الرسموي المُعاصر ألفت مستويات التذوق آلية استحواذية منطقها الاتصال الانعكاسي والمهاتفة بين الخطاب والمتلقي ، المتوسل بالعنوانات التشخيصية المنشغلة بالاستنتاج والمحاكاة دروباً مفضية الى جواهر وخواص المعنى ، وذلك ما يحتم أولوية الإثارة والانفعال حين ينشغل المتلقي بفعالية المطابقة والمشاكلة ، بين المُنجز الفني وحقائق الحياة وصورها ، بعيداً عن ألـ (كيف) الجمالي ؛ كون الشكل وعاء للمعنى .  وتستلزم هذه الأولوية تحييد الشكل والركون إلى مجريات المعنى ومتصلاته الاحالية وإطلاق قوى التقصي للامساك بالمعنى خارج مملكة النص الفني .

     إن اليقينية الذوقية / التاريخية هذه مرجعها ما احترفته العنوانات المرفوعة في أسفل الخطاب ليتصاعد معها المتلقي صوب الفضاء الفني والشروع من بعد بفعل المماثلة والتشخيص ، وقد حكمت تلك الفعالية الذوقية عقوداً عدة وإعاقت تجريبية الخطابات الفنية عموماً (مسرح ، شعر، رواية ، تشكيل) .  ولنا أن نستذكر (جواد سليم) في رده على معترضي خطابه التجريبي : (( أنهم يردون أن نرسم تفاحة ونكتب تحتها هذه تفاحة )). لكننا في تدارجات الحداثة وما بعدها اعتزل العنوان مهماته دليلاً ومرشداً نحو المعنى ، فقد هجَرَ اغلب الفنانين العنوان تحسباً لتنصيب المتلقي لمعنى بذاته.

    وفي منجز الفنان (شوقي الموسوي) ثمة مفارقة شكلية حيال دلالتي العنوان واللون . فهو في التأكيد لما تقدم وفي مقاطعة معه بذات الوقت .   فالعنوان في مجملة ( شفافية الرسم وموسيقاه) كما قصد الفنان إلى تحميل خطاباته عنوانات مثل (موسيقى- رقصة إلى حبيبتي -  ضحكة – بسمة - زمن التجلي ..) والعنوانات ذات أنساق إيقاعية - حركية ، سمعية. ويأتي استئناس المتلقي بها موقوتا أو هو ومضة انشراح لها انطفائها في متن الخطاب ، فالفنان يُنصّب فخاخاً شعورية يستدرج بها متلقيه عبر العنوان لتتبدل اثر ذلك فعالية التلقي من لجة المُتلقي الجامعة بين العنوان وبطانات النص الفني و(الموسوي) بالإجرائية القصدية يحيي فعالية التأويل وتحفيز متلقيه في مد خطوط التواصل بين العنوان ومكونات النص بهدف إنتاج المعنى المتولد من فعل التلقي الآتي .

   أما دلالة اللون ، فلها إن تتخفى في بنيتها وتواصلاتها بأقنعة الغنائية والانطباعية لتشبع أنفاس الرسم في حداثته الأولى حيث اللون دلالة مهيمنة دون شراكات اتصالية .

    ولكسر آليات السلطة أحادية (اللون) كان لـ (شوقي الموسوي) تحسبه في تقطيعه وتفضيله للخطوط اللونية لرسم (ألواح) هندسية مُحيلة الخطاب إلى بنية إيقاعية تتموج بها مقومات اللون إلى بنية إيقاعية تتموج بها مقومات اللون لتتعدد وتتنوع مداخل الاتصال في مجمل جهات جغرافية الخطاب .

     ولان وحدة الخطاب في ماهيته البنيوية قوامها أنساق التحول والتباري والتنوع ، فان الإيقاع اللوني له أداؤه المزدوج بين تقاطع وتواصل مع (المركز) البنيوي (اللون) ويستحصل في تنوع الأنساق اللونية أصوات إيقاعية وحزم موسيقية يستطلعها المتلقي مشخصة / محسوسة / مسموعة بدلالة الإيقاع وشمول مستويات اتصاليتها وهو ما يقارب مقولات حذو منظومة الفنون نحو فن (الموسيقى)عند ( شوبنهاور).

     وتبقى أنساق اللون في النهاية المفتوحة في عمودية متصاعدة فالكل نسق ماهيته اللونية الإيقاعية وهي في نسقها الحركي المتصاعد لا تقطع  صلتها مع أنساق المجاورة ، حين تتفتح مسالك تخارج لونية لإقامة جسور تواصل وتبادل لتكوين بنية الخطاب(الكبرى) (اللون) محققة ماهية البنية في أبعادها الثلاثة (ألقصدي- ألنسقي -  ألبنائي) .

 

النزوغ الى التشكيل  بالصيغة التعبيرية

حامد الهيتي - جريدة العراق

ثمة من يقدم تبريراً واحداً لصيغة المعاصرة في طبيعة الوجود الإنساني يقول : (( إن وجه الإنسان الحقيقي كان ولما يزل المرتكز الفعلي لكل المحاور التي تبحث للأبد عن هوية الطرح الفني..)) ..

     وليس من شكل واحد من أشكال الفن القديمة والحديثة من  لا يؤشر نحو ضرورة التعرف على هذا الوجه بكل ما يحمله من سمات الجمال والرعب والانتظار والشيخوخة والقسوة والعذابات المتلاحقة والدخول إلى محتواه بعمق أكثر ..؛ لان هذا التوغل لا يعني في الأخير غير اكتساب قيمة وملامحه..

     ومما يثير الجدل هنا هو تلك الأعمال الكثيرة التي قدمها الفنان   (شوقي الموسوي)..فعلى جوانب الوجوه وصفحاتها وبحث الألوان على التجاوز المثالي في أكثر من لوحة عنده ومن خلال المحاولات الجادة في وصوله إلى صيغ تشكيلية ، أراد أن يهتدي إليها هذا الفنان المجد..لا نلمح إلا المسافة الطويلة من ذلك الخط من الطرح الفني ..وتنوعاً في الكمية الفنية في هذه الأعمال التي أعتمدت على أساليب التشكيل الحديثة.. ويبدو إن هذا الفنان في أشكاله كان خليفاً لتلك النماذج والأشكال (الرافدينية) التي أوجدها لمسيرته الفنية الطويلة ، بمعنى آخر إن ( شوقي) كان يحتك مع الحواس التكنيكية الحديثة.. وفق مناظير ومستويات مختلفة .. ربما أراد ذلك أن يمسح عن أعماله هذه كل الفواصل التي ظلت لفترة طويلة تفرض طريقة طرح نفسه بوضوح.

    ومع هذا فان اعترافاً واحداً ما زال يلح على القول وهو أن تحول (شوقي الموسوي) في المسيرة الزمنية لتحقيق أعماله إلى الاستلام الذي كان يصوره بأنه قد جاء شرعياً إلى الانفعالات على مضامين أعماله على المساحات الهندسية والتصورات الحية.

     إن وجود الألوان الهارمونية بكثافة في جل أعماله يحث الآخرين على الشروع والبحث إلى المطلق ..وان أشكاله كلها اقرب ما تكون إلى وراء الأشياء التي ظلت تحدد عالمه العجيب .. الباهر . ثمة تساؤلات تطرح نفسه هنا : بما إن الطريق في اختيار الموضوع يضل واضحاً. والمسيرة في إمكانية اكتساب خبرة العمل ونضجه معلومة.. فما هي اللغة التي يصر الفنان على ضرورة اختيارها لمخاطبة الآخرين ..؟

      إن حق الإشارة إلى أعمال (شوقي) يعنينا بالضبط ، لأنه واحد من الذين حكموا على أنفسهم بالانتماء إلى الكل أولاً ثم مشاورة نفسه وأعمال بطريقة الحذر من البقاء في استدرار تناول أعماله بهيئتها الجديدة..

      وأخيرا ..وجدنا إن (شوقي الموسوي) قد حاول من خلالها أن يحقق قيماً تشكيلية معاصرة خضعت بشكل أو بآخر إلى المناخات التاريخية الرحبة ؛ إذ انه حاول  بواسطتها إن يوجد تلك العلاقة بين الصيغة التشكيلية وبين الطاقة الإبداعية احتوتها وامتلكتها هذه الأعمال الجميلة المبهرة.

 

في تجارب شوقي الموسوي

عادل كامل - جريدة العراق

البيئة –الحدث :

       ليس من حكمة تتفوق على تفحص المحيط ، والانشداد إليه ، شوقي الموسوي ، ولد في بستان زاخر بعلامات البهجة ، إلى جانب المكان الذي يحمل تاريخه الرمزي ، في الفداء : لقد ولـد في مدينة (كربلاء) وتشبع بمناخها الفريد : فكربلاء مدينة أشجار ، مدينة ربيع وحدائق ، وهي في الوقت نفسه ، مدينة متحركة بالبشر، وتحمل تاريخ الحدث المتجدد : انبثاق الرمز بقوة الحدث التاريخي ، والفنان سيتمسك بالبيئة ، سيمنح المرئيات سحرها الطمومي القابع في لا وعيه الجمعي ..في الانشداد الى الغابة وأنوارها الخفية ، فسيرسم ، بتقشف الخبرة المبكرة ، اختزالات البيئة ، ليمنحها روح المنمنمات، وبتجريد يمتلك مبرارته الجمالية. انه يتعلق بالمحيط ، كرمز لخصب الأرض ، ألام ، والأسطورة الشرقية القديمة .

       ثمة انبعاث تموزي يدفع بفن الموسوي لإعلان الاحتفال.. فهو في عيد الميلاد : هذا الفرح الدائم بالوجود ، عبر الزمن ، وبمكان يصعب تحديده . فقد اختار الفنان الهاجس الكلي للمعنى ، البيئة كمكان مستعار من اللا وعي للفردوس الخيالي . هُنا نعمل بايحااءت نفسية- فنية ، في تلقي البصريات ،في أعماله الفنية . فالفن ، بدافع ما فوق الطبيعة ، منذ أولى التلطيخات (حسب فرويد) لا نُغادر عالم طفولة : البراءة التي تقف بعناد أمام الحدث ، والتاريخ ، والوعي القابل للقياس .

       الفنان يقودنا إلى غابته وحدائقه ، برحلة المسرات ، بهاجس نزعة تسلم نبضات التحسس بلذات الانبثاق الجمالي . إننا في الفردوس ، في نعيم الانسجام التكنيكي لعمل الرسام . و لا أهمية للحدث عبر الفن بالحركة ، وبالتكوين المنفتح.. فالتحوير جرى ذهنياً : من الواقعي إلى التجريد ، من المرئي إلى السمعي . فنشاطه في تكوين نصوصه ، اعتمد حدس التأويل ، دون قصد متصلب.. فثمة مرونة في الأداء ، تشير لوجود المعنى الرمزي للبيئة والتعلق بخصائصها العذراء ، مع منح الحدث مغزاه المطلق كجوهر للحركة.  ولعل الحداثات ، في الفن ، التي ارتبطت بالمدن ، نجدها ، هنا ، قد تمسكت بفضاء الغابة . بعالم يعود إلى أسطورة البراءة التي سبقت وجود الفعل : أسطورة من غير محرك ، عدا العلة الأولى . فالفنان يخلص فنه من الشروحات ، ليصور الأعياد ، وفي جانب آخر ، خفايا الغليان الداخلي ، المنعكس ، بسيكولوجيا فنية ، بالأشكال الرمزية ، نحو جماليات تمتلك انفتاحها الدائم : نحو تاريخ فريد للبراءة.

 من الذاتي إلى الرسم :

   عندما تتعلق ألذات ، في الحياة أو في الإبداع ، يغيب العالم ، ويتلاشى التوقيع . وعلى العكس من المسار الأحادي ، نتلمس حقيقة أن المبدعين ،  في شتى الحقول الحساسة ، كالشعر والموسيقى والتشكيل ، يضعون (براءاتهم) وكيانهم الخفي ، أو المُعلن في إبداعهم . إن المخفي يصير فضيحة ، علامة وتاريخ مزدحم بالدلالات والأسفار . إن قراءة أي نص إبداعي . هي قراءة تأتي عبر الصانع.. فتاريخ الفن هو علامات أستاذة كبار ، شهداء أو مجانين ، لا مناص ، هو تاريخ تواقيع صارت تاريخاً مستقلاً وموضوعياً .  شوقي ، بهذا المنطق ، رسم حدود حركة ذاته ، ومن الصعب للغاية استنتاج هذا الحكم ، إلا بالمراقبة . لكن فنه الفردوسي يرسم صورة شخصية لبراءة تتمسك بعناد بعالم يتوخى الانسجام.

     إن استثماره لـ(1) الخطوط المرنة ، المنحنية ، الدائرية ، توزيع المساحات كإشارات  نبضات عضوية ، واختيار الانسجام اللوني جعلته (2) يتفحص حدود اللا معنى في المعنى ، وحدود المعنى المرئي عبر الانتقال إلى الفضاء اللاشكلي ، الى الصوت (3) والعناية بإشارات ورموز مستمدة من أبدية الأشكال العضوية . فهو يهمل صلابة الأشكال المعمارية ، الهندسية ، التي تتطلب الوعي ، وفلسفة منطق الحدث ، والتراكم ، لصالح الأشكال الحرة : ذلك الرقص في معبد اتساع المساحة وهدم حدود المكان (4) ليجعل من التجريد غاية تشخيصية لمفهوم الصورة الشخصية –المفترضة -  للتمثال .

    فالرسام ينحاز لوحدة جدلية بين الدافع والحدود البصرية : انه يرسم لدرجة هدم النص الفني ، كانحياز لشفافية الزاهد المتقشف في عالم اليباب ، عالم الحسابات ، وما فوق راس المال ، ليس كرد فعل فحسب ، بل كانحياز لزمن الفن ؛ للزمن الروحي كامتداد من الذاتي إلى الروحي عبر النص الموضوعي الذي يمتلك طاقة الإشعاع ، من المادة ، إلى مداها المتسامي ، اللامرئي ، بالإيحاء وبالحدس وبقوة نشاط الخيال العنيد ، نشاط إرادة البراءة .

 لا تاريخية التاريخ :

        فيزيائياً ،لم يكن الكون هو ما عليه ألان ولن يتكرر ، بعد لحظة لكنه ليس حركة بلا تاريخ ، حتى في مغزى وجود المصادفات ، انه تاريخ يفلت من رقابة المؤرخ . فماذا عن المشهد ، حركة الجزء ، اللحظة الغائبة بوجودها التاريخي . إن الرسام ،لا يفلت من قانونه ، لكنه مشغول بالحركة : بشيء يغيب في لحظة الحضور . شوقي الموسوي ، يمسك بلوعة المحو ، ولا يجد سلوى إلا بالدخول في شفافية اللا تاريخ . انه يرسم لحظة الانبثاق.. سحر المشهد بعناصره المتجانسة مع أعضاء التلقي ، مع التراكم ، لرسم لحظة بين عدمين ، بين وجود غائب ووجود ننتظر غيابه : لحظة تتكثف فيها لا تاريخية لحظة الزمن .

     فالفنان يتمسك بوجوده في الامتداد : نقطة هي الرسم ، المشهد بما يمتلك من خفايا ومغزى : لحظة حداد وترقب. هذا الهاجس منح الحركة ، في تجاربه ، مغزى التكرار ، الذي هو التوكيد : تكرار النبضات ، حركة الجنين ، والرغبة بالتاريخ في  لا تاريخيته . فمن المستحيل أن تجري المقارنة بينهما .انه صراع ينتهي لانبثاق بلا زمن . انه الشكل الذي يُغيب اللا شكل الأبدي للحركة ؛ للمادة في تحولاتها ، ولا أحد لديه اليقين بالعدم .انه لا تاريخية التاريخ : أو هو التاريخ لشيء يخص حدود الرؤية في زوالها.

     وهو الاحتفال الجمالي لهذه الحركة ، لهذا الغياب ، حيث تُكتم اللوعة بقناعة وحدة الضرورة بانبثاقها الحر؛ لحظة البرق الغائبة في المطلق . لحظة الرسم التي تكتنز بالخفايا بالأسلوب الذي لا يتوقف عند حد ، وهو تاريخ الفضاء الذي يصنع الكتلة : الجنين أو المعنى في مداره الآخر ، العصي على الفهم ، إلا باستدراج ألذات – وتاريخها النسبي - لتدوين     ما لا يدون ، ولرسم كل المستحيلات : صدى الصوت الذي لا يغيب ، داخل النص بعد غياب المشهد ، غياب التاريخ لصالح براءة لا علاقة لها بالأضداد ، ولا بالثنائيات ؛ انه تاريخ اللا تاريخ : فعل الرسم في مسعاه المستحيل ، فعل الجمال الذي يمحو صانعه . فعل المعنى في لا معناه المقدس ، حيث يتكون النص الفني ، كجسم يعلن عن وجود الضوء ، انه المؤرخ – الرسام هنا - الذي يدون لا تاريخية المشهد : المطلق الذي صار مرئيا : صورة لعيد أو لبستان أو لصدى صوت آت من المجهول ، لوعد بإقامة إمبراطورية كاملة الأبعاد . إن الكل هو الوجود الذي ليس بحاجة إلى برهان ، والجزء ، المشهد ، ألانا ، النص ، الأثر، لا يبرهن إلا على جلاله الزائل .

 

قصائد مموسقة وبيانات معاصرة

عبد الباسط النقاش - جريدة القادسية

يطل " شوقي الموسوي " محملاً بالعديد من لوحاته الفنية .. تلك كانت بوادره .. مهمومة .. رغم انه مثقلة بحلمه المليء بالرومانسية الشديدة ، الغائرة في معالم الفكر الأكثر حساسية في عقل الفنان .. إنسان  لا يفصح بوضوح عفوي ، عما يريد إن يقوله .. ولكنه يُصغي باستيعاب لكل ما يُطرح ولكل ما يُقال ..يصدر.. ثم يصبر..ضحكته على محياه مرسومة بخطوط لوحته..رغبته في إن يكون موسيقياً ..جعلته ينتهج كتابه السيمفونيات التي يجيد تأليفها ..وفق ما يعده من صفائح تشكيلية تجتاز لأكثر من وحدة..ولكن الواحدة..مكملة للأخرى..هي بالفعل حروف السلم الموسيقي..

    ولكن بلغة التشكيل تلك اللغة العصرية الحداثوية..التي يحاول فيها أن يقراها على مسامع المتلقي ..بلغة اللون..وشكل العصر..ففي كل مديات معارضه الشخصية..وحتى مشاركاته الجماعية هي مسميات لنوع من الشعر الحر الذي يجيد تشكيله ويحاول أن يؤسس من خلاله خطابه الفني الأكثر تعلقا بمعاناة النفس البشرية..

   وتلك هي مؤسسات العمل الفني التي تعزز القيمة العالية ، في اختيار الثيمة الأكثر التصاقاً بالحياة .. إذن قد اكتشف الفنان عبر رومانسيته... ومداركه الحسية الأكثر وعياً..أن هناك واقعا أسمى للموسيقى يدور في غياهب المضمون..فلا يمكن أن تنطلق الفرشاة..دونما نوع من الموسيقى ولا يُمكن للوحة أن تكتمل دون تدوين أبجديتها الموسيقية..

        فحينما يكون الفنان يعاين أعماله الفنية هذه  معرضه لأخير في قاعة ايننا للفنون..تجده لا يدير رأسه تجاه ما يرى قدر استماعه لصدى الإيقاع المشحون بالنغم..الذي ينشد في روحه السكينة والهدوء والفرح ..فهو لا يخاف جر اللون من مكان إلى آخر..ولا يحدد مساحة معينة سلفاً لإيوائه..إنما تتحرك فرشاته برشاقة حرة في أسطح اللوحة تجاه قدر تعلق (شوقي) بالتموسق في الحياة..تلك الحياة التشكيلية التي تبحر به من هنا وهناك..عبر الجمال عبر التذوق الإنساني الأكثر نبلاً..ألون لا تمتلك مكانها قسرا ، بل هي تختار موقعها في اللوحة .. لتعلق بإيجاز عن سر حداثتها عن خلودها الانكيدي..وتمردها الكلكامشي العنيد، لنيل الخلود بعنفوان آدمي..إن لم يكن بقوة الجسد فليكن بنظرة الإنسان إلى سر الوجود ليعلن اختياره الحر.. في تشريح رغبة النفس ومنحها أوجه العالم الذي ترغب إن تراه ..كما تتوق له..وكما يكمن في عقلها .. حسها المعقول واللامعقول ..في الوعي واللاوعي ، في الأكثر جمالاً ..والأكثر قبحاً .. في عملية الحسم ، التي تظهر نوعاً من الحدس الأعمى .. سيكولوجياً..وليس نوعاً من الروحانية السحرية الساذجة المكررة والمظللة..شوقي الموسوي ،     لا يطلب من الأشياء أن تكون .. ولكن يجعلها تحدث.. مثل ما يريد لها (الوجود) طروحات في عوالم إنسانية جدلية .. عالقة في الذهن مرتهنة بما تستهوي هي بحد ذاتها من سبل التكوين ..وان تكون هناك مناطق ذات أصول تعبرية وواقعية..تعلن عن نفسها بين الحين والآخر.

       شوقي الموسوي يدعم خياله باطروحات عصرية..تحاول بذل المستطاع للوقوف جانب المتعة .. جانب الحُرية التي يسعى اليها باستمرار ويردم خواء الانتظار الصعب للواقع .. بل هو يتحدى المجهول .. ويستمر في التأليف التشكيلي .. يدندن ويردد أجمل الموسيقى الكلاسيكية .. محرزاً بذلك فهماً يعالج فيه صمت الأشياء .

 

لاحضارة بدون وطن ولا وطن بدون ماء

ميساء الهلالي - جريدة المدى

في مرسم مليء بأنواع القصاصات الفنية واللوحات التي تُجبر الزائر على التمعن طويلاً في كل منها ، كانت لنا وقفة ، حيث ضيَّـف الفنان شوقي الموسوي جريدة المدى في مرسمه حيث يستقي الإبداع ...انه أحد أبناء العراق الذين انبثقوا من بين بساتين النخيل ليحكوا قصة وطن طال انتظاره ... الفنان حاصل على شهادة الدكتوراه في فلسفة الفن الإسلامي من جامعة بابل / كلية الفنون الجميلة للعام 2006 .. وهو حالياً يعمل تدريسياً في كلية الفنون الجميلة في بابل . فضلاً عن انه فنان تشكيلي ومصمم وناقد فن لديه العديد من الدراسات الفنية والمقالات التشكيلية المنشورة. ومثلما ضيفنا في مرسمه الفني.. ضيفناه على صفحات المدى ليكون لنا معه هذا الحوار الفني.

*ما سبب الإهتمام بالأسلوب التعبيري التجريدي الواضح في لوحاتك ؟ هل هو للسهولة أم لصعوبة إيصال المضمون عبر أشكال تكويناتك المقترحة؟

ـ هذا الأسلوب الذي اتبعه في نتاجاتي ليس بالسهولة التي يتصورها البعض سواء أكان من ناحية التحليل أو التفسير أو حتى من ناحية إنشاء التكوينات وفي الوقت نفسه لا اعتبره ـ الأسلوب ـ من الفنون الوظيفية ذات النزعة الواقعية التي تقول كل شيء ولا تبقي للمتلقي سوى الصمت ، فالتجريد والتعبير التجريدي يتجه صوب الحوار مع الآخر (المتلقي)عبر أزمنة روحية مفتوحة نحو فضاءات بلا حافات تقبل التأويل والتحليل ، بحثا في المناطق اللامرئية (المخفية)عن الحقائق المثالية.

* هل تستعين مفرداتك التشكيلية من الواقع المعاصر في تجسيد معاناتك وأفكارك المستقبلية على قماشة اللوحة أم تتناول مفردات خيالية بعيدة عن الواقع؟

ـ أنا لا اعتقد بوجود مدرسة أو أسلوب فني حديث لا يستمد مفرداته من الواقع ، فكل فنان مهما تغيرت ميوله وتعددت أفكاره أو تنوعت ثقافاته    وأبعاده الاجتماعية أو السيكولوجية أو التأريخية ، يبقى ينهل من واقعه المعاصر كل مفرداته المتداخلة مع ذاكرته البكرية ولكن كلُ بحسب أسلوبه الفني ، المعتمد على التراكم المعرفي والثقافي والحضاري للفنان . فأنا استعين بمرجعيات الوطن الحضارية التاريخية القديمة بجانب الموروث الحضاري الإسلامي والفلكلوري بجانب مفردات الواقع المختزلة من اجل إنتاج لوحة معاصرة تتبنى احد مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة.

 * الفنان إنسان واعٍ وشفاف وحساس ....هل نجد محنة الوطن قد أخذت اهتمام إحدى لوحاتك الفنية؟

ـ قلتها سابقا : (( لا حضارة بلا وطن ولا وطن بدون ماء )) ، فالوطن هو الإنسان والإنسان هو الحياة .....والفن هو الصورة المشرقة لإنسانية الإنسان ...إن كنتم متتبعين لأعمالي الأخيرة ستجدون مفرداتها التشكيلية (الجسد المتشظي ـ القبة ـ المنارة ـ الكف ـ الصليب ـ الهلال ـ الشجرة ـ الحرف العربي) قد كوّنت جدارية وطن جريح منتصر.

 *في أي اتجاه أو مجال ثقافي أو فلسفي تتمحور مفردات نتاجات الفنان شوقي الموسوي ؟واي القيم الجمالية تتبناها؟

ـ ما زلت ابحث عن اللامرئي في المرئي في اغلب نتاجاتي التشكيلية ،حيث أحاول في كل المرات ان اقترح قيماً جمالية مثالية تؤلف بنية تشكيلية تقبل الجدلية والحوار الشفاف مع الآخر الداخلي من خلال إجراء عمليات الحذف والإضافة وإعادة الصياغة والتركيب والترميز على مفردات النص التشكيلي ،بعيدا عن أصنام البعد المكاني الذي يتبنى المفهوم المادي الموضوعي.

*هل تؤمن مثل البعض بالتزام تفسير لوحاتك للمتذوقين أم لا؟
ـ طبعا لا أؤمن بأن يتبنى الفنان الحقيقي مهمة التفسير كي لا يؤسس نظاما ايدلوجيا للمتلقي فيحرمه من الاشتباك والتحاور مع النص التشكيلي بلغة العصر وحرية التعبير ،فالعمل الفني من وجهة نظري ملك كل إنسان ومن حق كل متلقي ان يجد لنفسه نهاية أو بداية للنتاج الفني ،كما يجد في بعض النتاجات تطلعات المستقبل القريب ،فلا اعتبر المتلقي مستهلكا بل منتجا ومشاركا في العملية الإبداعية.

 *من هم اصدقاؤك في الفن ؟ولمن تدين بفنك؟

ـ الإنسانية ، كل من سبقوني وعاصروني هم أصدقائي ، فكلنا إنسان والإنسان هو الوطن ، مثلما قال الشاعر الكبير ادونيس " كلنا نتاج لأناس سبقونا  " .

*هل اقتنصت فرصتك الحقيقية في عملك الفني ؟أم ما زلت تحاول البحث عنها ؟ام انك تنتظرها ؟

ـ أنا لست من الفنانين الذين ينتظرون الفرص فيستهلكون ما هو مستهلك ، بل اصنع فرصتي بنفسي وبجهدي الثقافي والمعرفي والأكاديمي مثلما أصنع تكويناتي وعالمي الخاص بإنسانيتي ، لا كما تصنعني هي ، فالباحث عن القوالب (الفرصة) إنسان ضعيف مسلوب الإرادة والوطن يحتاج إلى الصناع المنتجين المبدعين لا إلى المستهلكين ، فالإبداع يبدأ عندما ينتهي التقليد.

  

 

Home

  Copyright © www.shawqi-almusawi.com 2008