شوقي لا يلعب ، ولا يتلذذ بدافع بحثه عن لامبالاة أجمل ، نمت
عند جيل وجد الماديات مرتدة ، والأساليب أقل إثارة ، كما لا
يتوخى صياغة النص كعلامة - سلعة – ينتظرها الآخر – السوق –
والوسط الثقافي الغائب أو المجهول ، بل صار يتمثل المصادر
ليعزلها ويكونها بصفتها تشذيبية وسط تصادمات أسلوبية حادة ،
وهشة ، يجدُ شوقي الموسوي طريقه أكثر وعورة ، ولكنهُ ليس بلا
معنى . فالرسم المُعاصر في العراق ، في أواخر سنوات القرن
الماضي ، وفي فاتحة الألفية الثالثة ، ليس لديه ما يُريد ان
يعلن عنهُ ، أكثر من استعارات واستهلاكات وجماليات أحادية .
فهل يُشكل الرسم في ذاته ، بعد مصائر الفلسفات المثالية ، منذ
(أفلاطون) وصولاً إلى (كانت) ، أزمة عالمية ..؟ ان البحث عن
فضاءات بديلة ، لا يفضي إلا لنشدان الخلاص المُستحيل ؟
إن شوقي الموسوي ، المشغول
بالتحليل النظري ، في إعداده لرسالة الدكتوراه ، حول المرئي
واللامرئي في الرسم ، يتلمس عناصر المأزق ، ومحركات الأزمة .
فالرسم منذُ أقدم آثاره ، لا يقول الذي قرأناه فيه .. فالنفع
والسببية ، والمناهج الواقعية ، كلها لا تهمش المعنى الغائب في
حضور الرسم وجمالياته . فالأشكال ، عبر أربعين ألف سنة ، في
الأقل تكاد تُحدد مسار التحولات الحاصلة في الخطاب الثقافي –
المعرفي – إنها قابلة للرصد ، والمشاهدة ، لكنها مازالت ، مثل
الوعي ، ومثل اللغة ، تحمل أسئلة الوجود في عملياته التوليدية
. لان حكمة : لا جديد تحت الشمس ، ذاتها ، لا تُقال بدافع
التكرار . إنها تعلن ، في مأزق الثقافة الأوروبية عن هدم وهدم
لا يبلغ حد الصفر . وشوقي الموسوي يدرك ، بفعل حساسيته ، إن
المعنى ليس هو الذي يُحدد بنية التقنية . وليس التقنية ، حتى
عندما صارت هي التي تفكر ، قادرة على تأجيل التدحرج الدائم نحو
المجهول . فالمستقبل ، هنا لم يعلن عن كمائنه . فهو مثل درس
المثاليات حول جدوى الصبر ، محض اشتغال في الوهم ، وترك مسارات
الصراع تعمل بحرية أكبر .
ما المستقبل في مصغّرات الرسام ،
عدا أنهُ يُرجعنا إلى ماضيه : إلى الحاضر . لكن الجسر هذا ،
ليس للعبور . انه الحفرة فالمستقبل يغدو حداثة (بودليرية) ،
تجعل الأقنعة تعمل عمل الحقائق ، ولا نفك في الأخير ، إشكاليات
الاغتراب . إن المستقبل يغدو حلماً ، مثل الاستذكار ، محاولة
ترقيعية وتجميلية ، ففي كل الفلسفات يفند (المستقبل) ان لم
يعمل على نقد ودحض مساراته . وشوقي لا يحدق في الوهم ، بل في
اللامرئي الذي ينتسب الى عالم الشرق ، عالم الأطياف . فهل
يتمثل الفنان مأزق الرسم ، وبغطس فضاءاته المُغلقة ، أم يترك
علامات الخطاب لا تقول إلا الذي صار مُستحيلاً ؟؟ انه في
الحالتين ، لا يُغادر مكونات خبرة مزدوجة ، خبرة الحساسية
البكر ، عند أقدم الرسامين ، وخبر ة عبث ولعب كل أساليب
الحداثة وما بعدها . فالمأزق لا يخص بنية النص ، أو الذات ، أو
المعرفة ، أو الفلسفة فحسب ، بل عصرنا في صراعاته المكشوفة ،
والمتسترة . لكن شوقي الموسوي لا يذهب مذهب الواقعية النقدية ،
ولا يفك بل يبني . انه لا يُعارض عمل الأصابع وهي تتكلم نيابة
عن الضمير . فلا يحمل الرسم ،أكثر من التشفيرات المشذبة .. هذا
الحذف للاحتدام وترك العناصر تتجانس وتعمل على بناء نسيجها
كامتداد متوازن بين التأمل والتحولات .
فالرسام يتخلى عن السرد ، لكنه
سيجعل من الصمت – المجاز والرمز – ضمناً الذي يتخفى داخل الباث
: انه لا يقول إلا ما يخفيه ، بانسجام مع شخصيته الكتومة . فهل
صار الشيء في ذاته ، لغة للدحض ، أم أعادنا الرسام الى أقدم
علامات الرسم ، ومخفياته التي صارت متداولة ؟ في الحالتين ،
ترك الرسام الرسم يُحافظ على كيانه .. أنه يقول الذي نراه ،
بصرياً ولكن بلا تأويل .
خامات
: الذات والامتداد
كما في تجارب الحداثة التي ازدهرت
،خارج بيئتها وزمنها ، وجد الموسوي انه في عمق المأزق . ما
الذي يُمثله الفن ، وقد أسرته التقنيات وتصادمات القوى
المختلفة ، ان لم يكن مرآة مزدوجة : ان يرى الذي يتحرك في
الخفاء ، وان يعدل البصريات حقلها التوليدي ؟ . ان تعريف
الاصالة لم يعد متداولاً ، وهو الذي سيجعل (الجديد) مثيراً
للريبة والجدل . فلماذا (الجديد) ان لم يكن ضرورة .. وهل سيحل
الجديد /الحديث محل الأشكال التي فقدت ديناميتها ..؟ شوقي
الموسوي لا يُغامر ،، انه نشأ وقد أحاطت به تجارب قرن تعج
بالاستعارات والأقنعة .. فالصدق لم يعد علامة ، أو إيعاز . ان
التجارب هي التي تفعل ذلك ، ونجد أنها ليست خارج حرب سوق الفن
. وإذا كان الذوق العام هو آخر من يتحكم بمصائر الأساليب ، فان
ذائقة الآخر ، الذي يُراقب عن كثب ، لا تنفصل عن عالم
الاستهلاك والرفاهيات .
فالحداثة مفهوم لم يعد مُباشراً
، وبالامكان تحديد معالمه . والفن هو الآخر لا ينتج بدافع
الضرورة . أنه جزء من بنية تلعب فيها الضرارات غير الفنية بما
هو أكثر من ضرورات الفن . ومثل هذه القطيعة ، أدركها الفنان
وهو يعيد تفكيك حقب الرسم ،بين عصر وآخر ، الأمر الذي جعله
حذراً من المُغامرة .. والقبول بإنتاج علامات تذهب نحو المجهول
. فالفن عندهُ ، كما في الماضي لا ينفصل عنه ، أنه جزء من
خلاياه . فهل ضرب الفنان الحداثة عرض الحائط أم استند إلى فعل
(حدث) البكر ، أي عندما صار الإنسان يكتشف ، بعد أن أسس لغته ،
وذاته ، في الفن ؟ تلك الصلة ، وهي القطيعة البكر ، مع الخارج
أيضاً ، المسافات بين الخامات / العناصر ، والمعنى الذي يُريد
إرساله ، إن الرسام لم يدخل في صخب صراع الأقنعة ، والاستعارات
، والتحويرات .. بل وجد ذاته تمتد من البيئة إلى النص . فهل
حافظ على المفهوم (الذري) في تكوين المشهد العام.. أم راح
يخترق بنية الذرة ، إلى مكوناتها،الأكثر بُعداً عن أكثر العقول
حنكة ؟ ان الاقتراح الأخير ، لم يأخذ مداه كاملاً في نصوصه ،
فالعالم ما زال يتكون من مرئيات ومن أعداد ، وأشكال ، وهو الذي
جعلهُ يبني في أعماله ، ويُعالج رسوماته وكأنهُ يلعب بالطين ،
وبالخامات الأخرى . أنه لم يذهب حد المديات الداخلية للكلمات
والموجات ليبلغ عتبات الباث اللامرئي .. بل ألتزم المنطق
الواقعي ، للحفاظ على مفهوم التعبير ، فهو سعى أن يكون النص
مسافة بين الخامات وعالمه الداخلي . لكن النص ليس وساطة .
فالرسام يرسم الرسم ، في نهاية المطاف . أنه يرسم المكونات
التي كونت ذاكرته ، بأسلوبه ، حيث عمل على صياغة نموذجه
التكنيكي ، المختلف ، وسط ازدحام العلامات التشكيلية .
فالمنافسة لم تعد تشغلهُ ، كما شغلت
عدد من زملائه وأساتذته ، بل انشغل في اكتشاف أسلوبه في رؤية
الفن ؛ لا ن النص سيصبح الفنان في جوهر الوجود ، وليس قطيعة
عنه . ان فهم الخامة ، هذا ، جعله يلطخ ، ولا يُزوق أو يزخرف ،
وجعله يكوّم ولا يحذف إلا كممارسة في البناء . فهو لا يلتف
لمفهوم الإعلان – وفنون الملصق – وكل ما هو عقلاني ، وإنما
سيوظف خبرة الفن الحديث لبناء نصوصه ، بما تحمله من رائحة
وأصوات دفينة . فالرمز يشتغل عنده خارج عمل الرمز .. فليس
للإشكال لغة تقول شيئاً لتمثل شيئاً آخر .. بل سيندمج الرمز –
القوس والهلال والقبة مثلاً – في سياق بنية النص لان هذه
الرموز ستتحول إلى مكونات مندمجة بالخامات وغير منفصلة عنها .
فالنص هو الخارج بعد أن خضع لرؤية
الفنان وشخصيته . فهو لا يرسم ذاته ، ولا يرسم الخارج على سبيل
المحاكاة والتحوير ، بل يرسم المسافة وقد صارت نصاً : علامة
تجرجرنا إليها ، وليس تبعدنا عنها . فالنص ينتج حاملاً صلة
الرحم . والفنان يُفرق في هذا المفهوم عن الحداثة التي راحت
تنفصل عن مرجعياتها ، منذ تكلم (بودلير) حول القناع . ان شوقي
الموسوي يجد صلة توليدية بين ذاته ومرجعيات فنه ، فالنص يتجمع
نحو مغزاه اللامرئي في نهاية البحث .. لكن المرئيات في تجاربه
، تهمس ولا تتكلم . ففعل الرسم ، لا يتوخى الإيذاء أو الانخلاع
، أو المغادرة . انه يرسم كالذي يرجع إلى الرحم ، حتى لو كان
قبراً . فالنص بؤرة سرية للروح الأنثوي ، لان فعل التوليد ،
ضمناً ، يدمج الذكورة ، ويدمج كل فعل مغير .
البيئة – حدود النص
النص التشكيلي عند الموسوي ، لا
يتكلم ، أنني هُنا ، أعزل المرجعيات والتدريبات وعادات الرسم
الشائعة ، وأتوقف عند الذي يجعل الخطاب مقتصداً في العلاقة .
فالرسم صار يتمثل مأزقه ، وقد يكون من السهل عزل البعد الجمعي
عن الذات ، لكن البرهان العملي للاحاديات لم يثمر غِناً يقارن
بماضيه ، أو باشتغالات المخيلة .. بمعنى أن عزلت الذات لا
تنفصل عن مأزق الحداثات والمشهد الكلي للتصادمات والتحولات .
فالرسام ، على سبيل المثال لا يتخلى عن مرجعياته ، بل نرته في
الغالب ، لا يُغادر عزلته . لان الأخيرة تتخلى ، في سياقها
الفني ، عن الخطاب العام . هذه الحدود لا تشتت النص ، بل تحصره
. فالنص مثل الذات ، كلاهما يُمثلان علامة المأزق . فلا يُعيد
صياغة البيئة وكأنها شرط الفن المباشر . إنها ستبقى تحمل نفيها
معها ، وتحمل إلى جانب ذلك ، ازدواجيتها ومفارقتها : إنها لا
تصير مرآة .. والرسام لا يجد فيها إلا وهما يشبه ثوابت
الأساطير : فهو يختار العائلة اللونية المضادة لحرارة الشمس
يختار ليل كربلاء ولا يختار نهارات الصحراء . والمفارقة تختفي
عندما يعمل على تحوير علامات المدينة ، وتاريخها ، إلى رموز
وأشكال تكف أن تقول الذي تعرفه .. فهو لا يتوقف عند الخطاب
المتداول ، بل يرسم ذاته داخل الرسم .
فالرسام يُنظم تبعثراته .. ونصه ، في
هذا السياق ، لا يصير نصاً للمباهاة ، بل لغة مكتومة ، وتكتفي
بالذي لا تريد ان تقوله. فلماذا تتكرر ألوان : الأبيض والأزرق
والأخضر ، ولا يتكرر وهج الشمس أو جحيم البادية ؟ ان مفارقة
الرسام قد لا تكون عفوية .. لان القصد فيها صار يحفر في مناطق
الصمت الصفر . وعناية الرسام الحرفية تجعل رسمه بلا حرفة . فهو
يهدم ، ونماذجه لا تأتي متقنة ، ومعدّة للمنافسة . فالموسوي ،
على عكس ظاهرة البذخ ، يجعل طريقته أقا تكلفاً ، وترفاً . فثمة
تلطيخ يفسر الدلالة ، وليس البناء ، لكنه لا يهدم الرسم أو
يتمرد ضده ، بل يجعلهُ سكناً . فهل ثمة عزلة تقارن بهذا
الاقتراب الذي يعمل على الوحدة ؟ أليست الحداثة ، كأستعارة ،
تفسر مغزى الانقطاعات : مغزى ان المرجعيات لا تتكرر ، إلا
بما تتضمنه من حذف . فماذا تُريد الحداثة ان تحدثه داخل
مجتمعات مازالت لا تجد في الفن إلا مؤجلات وأقنعة للمداولة .
لـذة
التخفـي :
لا تقود لذة الرسم في نهاياتها ،
إلى نفع محدد . ان الفنان الموسوي لا يُغادر سيادة توازنات
الرسم .. بيد ان المخفي ، يغدو فضيحة . وسيصعب علينا أمام
حافات الحديث ان نتسائل : ما المعنى ؟ لان المأزق الكلي
للحداثة - في أوروبا ومنذ البدء- ما زال مربكاً . فهو حوار
النُخبة أمام الانقسامات والتداخلات الحاصلة بفعل تصادمات
القوى ، والمصائر .. والموسوي لا يمتلك قدرة التوقف عند
البصريات التقليدية ، وإعادة محاكاة الطبيعة ، والعودة إلى
تكنوقراطية تجعل الحرفة علامة داخل هذا الدوران .
فالحداثة استطاعت ، في أوروبا ،
ان تغلق مشروع الانفتاح ، ولا تحمّل الغايات أبعد من وظائفها .
بيد إن الرسام العراقي – والشرقي – أمام هذا المأزق ، لا يمتلك
رؤية عصر يحمل ميتات كبرى : الأب / الاله / الفن / والإنسان ..
فهو ما زال يحمل ذكرى دفن تموز ، اله الخصب ، وإعادة أسطرة
الدفن والعزاء بأسلوب لا تتوازن فيه المأساة بالفكاهة ، بل
ينتصر فيه اللامعقول ، ما دامت الشرعيات تحكمها قواها الخاصة .
هذا الإرباك ، وبما يمتلك من زعزعة داخلية ، لا يخفي منطق
التخفي ، واستبدال التعبير – المعنى – بجماليات وممارسات لها
مظهر البذخ اللوني ، فالرسام لا تتطابق عنده العلل بالأشكال ،
بل تفصح عن تقاطعات أسلوبية لا تخفي مغزى التشتت . فالاستعارة
الخفية للتكرار ، ولسنوات غير قصيرة ، جعلته بلا مركز ، عدا
هذا التبعثر داخل حدود إطار اللوحة . وقد لا تكون مجازفة
كتابية ان أبعدنا مصطلح (النص) لصالح التشظي والتوقف عند
الأجزاء . لان مفهوم النص ذاته ، ما زال مُبهماً في تجارب
أقنعة الحداثة ، فضلاً عن كونه يُشكل قطيعة مع مرجعياتها
المندرسة . هُنا تغدو المُغامرة بلا شروط ، لأنها تُريد أن
تتكلم . ان الرسام التجريبي ، يقع في فخ الرسم : ولا يُغادر
أنظمة التعبير المتعارف عليها ، بل سيعمل على : (1) إخفاء –
فضح – المعنى . (2) إخفاء الأسلوب وتركه مُبعثراً . (3)
واستبدال الأهداف بمكونات – وتكوينات النص .
فالتجربة تُريد أن تُغادر تصدعات
الرسام . إنها تُريد أن تقفز فوقه . لكن الرسام يرسم تحت
هيمنات اجتماعية وموروثة ، تجعل التخفي شكلاً أو حلاً يصعب
تجاوزه . ولا ينفرد " شوقي الموسوي " وحده داخل هذه الخلخلة ،
لكنه يُنظمها . انه يُريد لها الذهاب بالرسم إلى البوح ،
جاعلاً من الفن جسراً وليس امتداداً . فالرسم العربي برمته لا
يمتلك خاماته على صعيد لغة ، ذات بنية توليدية ومتجانسة ، طوال
القرن الماضي .. مع ان البيئة عملت عملها وليس الحرفة ، أو
عوامل الوراثة . وشوقي يدرك ان الاشتغال بالرسم ، يأتي تعويضاً
.. لان مُحركات الأسطورة قد فرضت عليه قواتها ، ومداها في
التطاير . بيد ان التخفي لا يذهب أبعد من أقنعة لا تنتظر إلا
الإزاحة ، ولكن عبر الاستبدال .
العلامات
: الذات متعالية
هل يصير الرسم علامة متعالية : علامة
تمتلك جذورها ولا تندمج بها أو تصير محوراً لها ، وفي الوقت
نفسه ، لا تصير تجريداً خالصاً ، أو قطيعة تامة ؟ ان الرسام
الذي نشأ ، بصرياً وخبرة ، على ضفاف حداثات مُستعارة ، أو ولدت
تحت مناخات ملتبسة ومعقدة ، قاوم غيا بالهوية – الجذور والبيئة
والمعرفة المعاصرة – ولكنه – مثل أباء جيله – راح يكون علاماته
باعتبارها ذاتية مُتعالية . و إذ كانت دراسته للدكتوراه قد
اتخذت العلاقة بين المرئي والمخفي مشروعاً للدراسة النظرية ،
والتأمل الفلسفي ، فأنه وجد ، في ذاتيته المتعالية إمكانية
الذهاب بالمرجعيات حد العلامة المستقلة . ما هي مرجعيات الرسام
، في أفق بيئة زراعية تقع على تخوم الصحراء ، بعيدة عن
التراكم ، وبصاصة لكل حادث غريب ، وفي مقدمته : علامات
الحداثات وما تحدثه من صدمات ؟ ان خبرة شوقي ، كمعظم الرسامين
، خرجت من بستان الطبيعة ، بيد انه لم يعد يُفكر ، داخل النص ،
أن يُتابع رسمه وتحويرها . لقد كانت تجربة التحديث والفن
الحديث كافية لزعزعة اليقين الراسخ بالمحاكاة والتصوير
التقليدي .
بيد ان مأزق الحداثة راح يتجلى في
مفارقاته المُتعددة (1) فالمرجعيات مختلفة (2) والمنهج ما زال
تجريبياً (3) وأهداف الرسم ذاتها غير محدودة . لكن الرسام الذي
حاول عدم مُغادرة حدود النص ، مكث تأملياً بمعنى صار التأمل
انعكاساً لذاتية الرسام ، وقد دفعه إلى تحديد مغزى علاماته
داخل التأليف التشكيلي . فلم يعد المضمون التعبيري مُهيمناً ،
بعد ان تلاشت ملامح التشخيص واندمجت بالسياق الاختزالي العام
لتجاربه ، كما ان دوافع الأساطير والموروثات الشعبية مكثت
واهنة مما جعلته تجريبياً بصورة عامة . بيد ان تجريبيته قد
وسمت نصوصه ببحث راح يتلمس ملامح بتحوير العلامات ، وجعلها
تكون مفهومه للنص البديل . انه – علنياً – لم يصر ضد الرسم ،
ولم يمنح المُغامرة متطلباتها التعبيرية أو بدوافع نزعات
الحداثة الأوروبية ، ولكنه لم يُجرد تجاربه حد القطيعة أول
يكتفي بالزخارف أو بالنزعات الجمالية المثالية ، الذاتية أو
الموضوعية ، بل راح الرسم لديه – الرسم ذاته – يغدو علامة محنة
جيل برمته . فجيل جواد سليم وفائق حسن حدد ملامحه برسومات
متوازنة أدت إلى مُعاصرة رائدة . أعقبه جيل ما بعد 1967 – 1968
بمضامين مُتمردة وأساليب ذهبت بالفن حد صياغة رموز وعلامات
مازالت شاخصة : تجارب كاظم حيدر / إسماعيل فتاح / محمد مهر
الدين / رافع الناصري / صالح الجميعي .. الخ ، وهي تجارب وُلدت
تحمل نزعة العداء لتوازنات أساليب الرواد ، لكنها لم تذهب
بالفن ، أبعد من مداها الثقافي – الاجتماعي . وجاءت عقود تصعب
تجزئتها إلى شهور وأيام ، لتمثل ، في نهاية المطاف ، تجاب
نهاية القرن العشرين ، وبداية الألفية الثالثة : تجاوزت ضفاف
الحداثات السائدة ، لتعلن ، بالتكرار ، إنها تنتظر بلورة
ملامحها وأهدافها .
فقد ولدت أكثر هذه التجارب من
نصوص شاكر حسن ، الذي وجد في عدد من تجارب الحداثة خلاصة دفعت
بالنص الى عزلته الجمالية : إنشغالات تقنية ، ومعالجات تكنيكية
تقول الذي كف ان يقول شيئاً عدا هذا الذي صار لغة أحادية ،
تنحاز الى ملامح البيئة والإرث . وقد وجد أكثر أبناء هذا الجيل
مناخاً لمصاهرة هذا الاتجاه : مساحات لونية / تضادات / ثقوب
وشقوق / خشونات ، مع تكرار المربعات والمثلثات والأشكال الحرة
، ومهارات تفكيكية مداها حدود النص .. تجارب : كريم رسن / فاخر
محمد / عاصم عبدالأمير / هناء مال الله / غسان غائب / سلام عمر
/ هاشم حنون / أياد القره غولي / ضياء الخزاعي مثلاً .. فما
الذي سيجده شوقي الموسوي ، وسط محنته تجاورها تجارب تقليدية ،
وواقعيات محورة ، وجماليات شعبية ، أكثر من شك متواصل لا ينتظر
إلا نزعة متمردة لا تُغادرها المغامرة : مع ملامح نظرية –
فلسفية ، تُعيد للمعنى صلتهُ بأهداف الرسم وأهداف الرسام .
هُنا سيأخذ الرسام مفهوم الظاهر بُعداً لا تتكرر فيه علاماته ،
داخل أناه ، ولكنه سيبقى وليد الدافع حد المفارقة أو التضاد .
فالرسام سيحور أشكال الطبيعة
والأشكال المعمارية الدينية بصفتها أبجديته المتجانسة مع وعيه
في التأليف التشكيلي . فالرسام لم يعد يُنصص – كما فعل شاكر
حسن ، والجيل الذي راح يُنصص في مصائر هذا الاتجاه الذي لم
يفقد تعبيريته تماماً ، ولم يصر تجريداً خالصاً – داخل نصوصه ،
إلا الذي كوّن الخطاب العام الرسم في العراق . فلم يُحدد
مرجعياته بصراحة ، ان كانت عند أحد أساتذته أو عند فنان بارز ،
كما كانت للفنان ( تابيس ) تأثيراته المُباشرة والصريحة ، على
حقبة من الرسم في العراق ، بل انحاز ، وبأثر الدراسة النظرية ،
نحو تحديد ملامح ألانا المُتعالية ، في صياغة العلامات ، حيث
النص ، ذاته ، صار حقلاً للحذف والإضافات : انه لم يعد
متجانساً ، حيث العلامات لم تعد تحسب حساب الرموز ، والنزعة
التعبيرية لم تعد تقول الذي يقع في المجال النفسي . فالحذف صار
يشتغل بنزعة ألانا في جدلية بين الشعور والمثال ، حيث الأجزاء
– النصوص – تكرر- وتكمل بعضها البعض الآخر : انه ، على العكس
من تكرار الجسد عند شداد عبد القهار ، الذي يكتفي بالنص الواحد
، وعلى العكس من نصوص فاخر محمد التي وجدت انتظامها ونموها ،
وعلى العكس من تحديد مغزى الأشكال المدمرة حد غيابها عند كاظم
نوير – نراه لا يكتفي بالنص الواحد . فالأخير – ذاته – متاهة .
بيد ان التكرار يأتي ليُفسر نزعته
التوكيدية لنص تشتبك فيه المرجعيات مع نزعته المثالية .
التعالي بالانا في منح العلامات مغزاها الروحي مثلاً –
واستذكار البيئة كحقل مُشفر للتأملات الداخلية . فشوقي لا يلعب
ولا يتلذذ بدافع بحثه عن لا مبالاة أجمل ، كما – عند جيل وجد
المديات مرتدة ، والأساليب أقل إثارة ، كما لا يتوخى صياغة
النص كعلامة – سلعة – ينتظرها الآخر – السوق – والوسط الثقافي
الغائب أو المجهول – بل صار يتمثل المصادر ليعزلها ويكونها
بصفتها تشذيبية – مواجهة لمرئيات لا تقول الا الذي سيحوره
الفنان بحثاً عن توازن بين ما تشكل لديه ذهنياً وبين حقائق
الشعور بالعلامات المرئية .. إنها مزاوجة تخفي مرجعياتها ،
وهويتها أيضا ، كما إنها تبقى تبحث عن نظامها في شفافية الرسم
وفي تحديد سماته الجمالية