Plastic critique. studies

Press

Gallery 2005

Gallery 2000

Gallery 1996

Gallery 1995

استنشاق الجذور في تجارب عاتكة الخزرجي

د. شوقي الموسوي

ليس الفن بعامة والنحت بخاصة،مراة سلبية او ترفا او حتى لعبا ،بل هو الضمير والخطاب الذي يمتلك خصائصه ومرجعياته،فضلا عن ديمومته الفكرية،على وفق علامات جمالية غير منطقية،مبنية على الانفتاح نحو الخارج،بتجاهاللانهائي وبعيدا عن العلامات العرفية المحدودة والعلامات الطبيعية القياسية.

فالنحت البدائي ،يجبرنا بمحبة على ننهل من رشفات من الفكر التاملي الذي ياتينا من الغائب،محملا بالصدق والخصب على اجنحة الماضي الذي لايتكرر بل ينمو ويتطور ليستقر بين رحى الحاضر.

اما النحت العراقي المعاصر منذ جواد سليم وخالد الرحال مرورا بفتاح الترك وصولا الى الجيل الجديد ،فقد جسد مشكلات وجودية متداخلة ،مابين وظائف جمالية وظاهراتية لامتلاك الذات العراقية جذورا عميقة بالقدم ،بجانب الجدية المنهكة في البحث عن الهوية في خطاب معاصر.فثمة تجارب نحتية شابه عند الجيل التسعيني المحدق دوما بمصيره الحضاري،ذات الاساليب المتباينة التي تغور في التجريب والبحث عن التقنيات الحديثة كاعمال النحاتة الشابة عاتكة الخزرجي التي وضعت الاساس لفن ممتميز مع زميلات لها في الفن ،يعلنين بناءه خطوة  بعد خطوة لترسيخ اسمائهن في قائمة الفنانات العراقيات.

انطلقت انامل هذه الفنانة المتعطشة حسيا ،في تجسيد افكارها النحتية ،من روح الانسانية العميقة،بعد ان اتمت دراستها الاولية في فن النحت،لكونها ادركت بان الفن ومنذ زمن ليس بالقريب،لم يعد لعبا ،بل غاية كامنة في الانسان لاتنتظر التفسير،فالفن هو الفن كقول الجميع :الانسان هو الانسان.

فقد امتلكت اعمالها النحتية المتاخرة،طاقات شاعرية هائمة ومخلصة غالبا لاصول البدائية،التي اصبحت محكا لصدق الصور الفكرية وطلاقتها الفنية،اذا ما قلنا ان كل بداية اصيلة هي لحضة ثانية كون الاصول الحقيقية باجمعها تعود بنا الى التجارب الاولى البكرية وعلى الفنان ان يستعيد مايسميه باشلار (اسبقية الكينونة).

      اذ ان منحوتاتها اهتمت بالصور التقنية غير المستهلكة ،بوصفها رؤيا وليس تعرفا منشغلة بالمضامين وبالاستمرارية التواصلية في المعاني،للخروج عن الاطار التقليدي والتحرر من اصنام البعد المكاني للتطلع الى الاخر الداخلي،الى الذات ،بالاشعور الجمعي حينا وحينا اخر بحيال المادة المحلية التي استخدمتها الفنانة في اعمالها (خشب- الياف- حبال- اسلاك- عظام-صابون..)المادة التي تجعل من التجريب منهجا تنطلق به نحو التعددية الاسلوبية حسب موضوعاتها الانطولو جية (المراة والرجل-العائلة-البطل-النسر- الشجرة..الخ).

فقد ظهرت في الفن العراقي المعاصر ،تجارب نحتية متوحشة بالذاتية،سواء اكانت في مجال التعبير او التكنيك بسبب تعددية وجهات النظر واتساع المناخ الثقافي الذي يعطي حرية جامحة للفنان في طرح الافكار والاساليب.

تحاول عاتكة،جاهدة التفكير في الكيفية التي يمكن ان تنتج اعمالا يتمفصل فيها القلب والذهن معا،لجعل الذوات ترتقي الى الابتكار المعرفي؛كي لا تتجه الذات نحو الواقعية الفوتوغرافية،التي ازحيت بظهور الكاميرا،بل الى تشكيل صيغ جديدة تكتشف عن العلاقات مابين قلب الفنان المتامل والعالم الخارجي بعد ان كان الفن في القرون الماضية يزيد من النتاد الموضوعي ويترك الذاتي عن قلته.

وقد لاحضنا وجود رسومات عند هذه الفنانة تساعدها في اغلب الاوقات في النحت؛أي انها ترسم لتكون افكارا نحتية؛بوصف ان اية فكرة يراد لها ان تنحت مهما كانت بسيطة تحتاج دائما الى تخطيط مكثف عندما تترجم الى هيئة.

فالمتتبع لحركة الفن العراقي المعاصر  ،يلاحظ ان الامكانيات الفنية عند الجيل التسعيني سواء كان عند عاتكة الخزرجي او زينب عبد الكريم او هايدي الاوسي او غيرهن قد امتلكت بنية معرفية واعية باسلوب معاصر تجعلنا دائما نتوقف عندها للتامل نستنشق الهواء من جذورهاالرافدنية بمساعدة اللاشعور الجمعي والفردي لنتذوق معهن بعض فواكه اللاوعي؟؟

 

اقنعة الجسد واشكالية التحديث في تجارب محمد آل تاجر الفوتوغرافية

د. شوقي الموسوي

ثمة توقٌ في الفن إلى التوحد بالآتي ؟!! كيف نستشعره ؟؟ وما مدى علاقتهُ بالآتي ؟ هل الروح الفنية غايةٌ تُدرك أم وسيلة ؟؟ هل يواجه المؤلف موته عند رسم آلامه .. أم يتألم حين يرسم موته ؟ أم يتوارى خلف أشكاله العارية المتهالكة ؟!!

    أسئلةٌ كثيرة تتسابق لحظة التفكير بالوجود ، عبر أزمنة الروح التي جعلها الفنان غاية تسمو على الجسد ، ليتطلع إليها في كل لحظة فن .. فالروح لا تُرسم إلا بالروح !! فكيف يمكن للجسد ان يلمُس الزهرة التي لا يُمكن إلا للروح وحدها أن تلمسها .... فالفنان العراقي المُعاصر والمُحاصر بشكلٍ عام والمصور الفوتغرافي بشكلٍ خاص ، نجدهُ قد كشف عن بعد جديد للواقع الطبيعي – بحدود موضوعة الجسد – من خلال استخدامه لآليات وبرامجيات الحاسوب والإبحار عميقاً في كوامن المرئيات بعيداً عن القشور ، فضلاً عن الكشف عما هو جوهري في المرئي الواقعي ، ليصبح الاهتمام بموضوعة الجسد لدى فناني الحداثة تستدعي إجراء عمليات التبسيط والتمويه والتحديث على الشكل الواقعي للوصول إلى فن يستند إلى المخيلة التي تتمسك بالشكل الجوهري على الرغم من منطقية التصوير الايقوني .

       لذلك نجد أن الفنان الفوتغرافي قد استدعى بعض الارتجالات بجانب السرعة في الأداء لأجل التعبير ، دون التقيّد بالمنطق الكلاسيكي ، ليصبح الواقع هنا ليس نتاجاً حسياً بقدر ماهو فكرة جمالية استحالت إلى واقع جمالي ... وما نتاجات الفنان الفوتغرافي " محمد آل تاجر " إلا تأكيداً لما تقدم ، عندما اعتقد بان الحقيقة الفنية لا تتموضع في الشكل الخارجي (الاقنعة) وإنما في جوهره ؛ لهذا قد ابتدأ بتصوير الحدث الطبيعي المؤلف من الأجساد ، من ثم اقترح شكل جديد من خلال التنقيب في الجوهر عن طريق إجراءات الحذف والإضافة والتمويه والاستعارة من الايقون المصور ، بمساعدة تقنيات الحاسوب وصولاً إلى الشكل الفني .

      ان عمليات التهشيم والتمويه بل وحتى التفكيك في بعض جوانب نتاجات الفنان التصويرية الذي أحدثها في تضاريس الجسد ، لا تلغي الطاقة الداخلية للصورة الايقونية وإنما تُحدث تحولاً يخدم المضمون ، بمعنى ان " محمد " يُحطم بعض ملامح الايقون لإحالته إلى شكل ذي طابع مثالي يجسد ملامح مدينته العتيقة المؤلفة من تراكيب بشرية تعايشت معاً في زمن الحرب داخل فضاء مفتوح بفعل عمليات الإزاحة ، المتخذة من التماهي مع هذا الفضاء هدفاً جمالياً يعبر عن وحدة مطلقة بين أجزاء التكوين العام والفضاء المُحيط ..

      فمثلاً نلاحظ وضعية بعض حركات أطراف الأجساد (رؤوس- أيادي- أقدام ) وقد تلاحمت وتواشجت بفعل اللون الحيادي  أو الاتجاه لتتخذ مساراً مفتوحاً يخترق حافات البعد المكاني .. هذا التواشج أو التجاور لاجزاء العمل الفني يجعل الصورة الفوتغرافية  تتعايش مع الرسم بعد الاستعاظة ببعض عمليات الأداء التشكيلي بدلاً  من التسجيل ، لإعطاء المشهد الفني صفة الكلية التي تُـفعِل الوجود الفوتغرافي ، مما تمنح المشهد صفة   الامتداد .

     هذه الوحدة المتمركزة في الأجزاء (الوطن) التي شملت نتاجات الفنان الفوتغرافية المركبة ، قد تبنت مبدأ الحرية في التفكير التصويري المنطلق من ذاتية الفنان ، حيث تفنى أقنعة الجسد (المرئي) لصالح الجوهر ، لتأخذ التكوينات بُعدها الصوفي الذي يجعل منها إيقونات متراكبة لمعاني إنسانية مطلقة تنسجم مع نوع الانفعال ؛ لان الفنان " آل تاجر " قد تعامل مع طاقات بصرية أكثر مما هي أشكال فوتغرافية بسبب وعيهُ المعرفي والأدائي الذي قادهُ إلى حصيلتين الأولى مفادها ان معنى الفوتغراف        لا يتوقف عند حدود المرئي المنسوخ عن الطبيعي ، بل يتجاوز الآلة نحو الذات المبدعة ، والثانية ان أصنام البعد المكاني لا تنفلت من ذاكرة الفنان البكرية ، فتحولت الأجساد إلى قباب وأشجار وأطلال البيت العتيق ، بل وتحولت إلى وطــن ..

      على اعتبار ان ألأجساد المتراكبة والمترابطة معاً بفعل الألوان الداكنة قد أحالت ذهن المتلقي إلى تكوينات روحية تحمل بين طياتها دلالات فكرية جمالية عبر تدخل المخيلة فيها على وفق مثال جمالي مقترح من قبل الفنان ، مبتعداً عن الدلالة المطابقة للايقون نحو دلالة تقترح التأويل عنواناً لها .. كمحاولة لتحويل الأشكال الثلاثية الأبعاد إلى مسطحات في عفوية واعية تقترب من عين الفنان الانطباعي بعض الشيء الذي يرسم ما يرى ليصل إلى ما لا يرى .

     إن المساحات اللونية البنية ( لون الجسد- الأرض..) قد آلفت بين الأجساد المتناثرة في الفضاء التصويري الناتجة من تضادات اللون الأبيض (الفترات) والأسود(الوحدات) ضمن دائرة التدرج اللوني ، وساهمت في إشاعة مبدأ الوحدة في التنوع والذي لا يخلو من منحى تصوفي .

   ان استثمار الفنان " محمد آل تاجر " للتكوينات الدائرية والمنحنية الناتجة بفعل حركة الأجساد واختياره الانسجام اللوني ، جعله يتفحص حدود اللا معنى في المعنى ، عبر انتقال بعض مفردات مشهده التصويري إلى فضاءات شبه لا شكلية ذات سمات تحديثية ؛ كونه قد أهمل صلابة الشكل الايقوني المنطقي لصالح الأشكال المحورة عن الطبيعي ليجعل من التمويه والتبسيط غاية تشخيصية لمفهوم الصورة الفنية .. بمعنى أن الرؤية العميقة التي فرضتها ذاتية الفنان المصور قد أحالت تكويناته الجسدية إلى دلالات عميقة لمواضيع الحياة والإنسان المطرود من جنة الإنسانية !!.. لان أغلب نتاجاته قد مثلت مشاهد إنسانية أُُريد لها أن تتشبه بالفراشات حينما  تُحلق إلى  المجهول لتطلعنا على الآتي .

    فالوطن بما فيه من قبور يصبح موضوع إبداع الفنان علّـها تُعيد للإنسان المغترب ما فقده من أحلام وسط ركام لا نهائي من الألم ، علنا نجد بعض عناقيد الفرح .. فمقولة أن نجعل من الكلام أغنية اعتبرت في الأمس معجزة ، اما اليوم فهي تزيح الستار عن الكنوز المتخفية والتي تتطلع إلى الحوار الشفاف لترسيخ مفهوم الإنسان الكامل .

 

الاسطورة والانفتاح على الاخر . مصغرات طينية في طقوس

د. شوقي الموسوي

مابين الاهتمام بالمرجعيات المثالية والرمزية في حضارات الشرق القديمة والاستمرار في البحث عن العوالم اللامرئية فيما وراء الأشكال المرئية ، أوجد التشكيلي جدلية حدسية  تجدُ في عمليات التحوير والتبسيط وسائل حقيقية للتعبير عن المثال والمثالية من أجل منح الأشكال المُدركة حدسياً زمناً جديداً يتجه نحو فضاءات  بلا حافات ...، وما بين التعبير والتجريد نجدُ في نصوص النحت الفخاري العراقي المُعاصر تمفصلاً وثيقاً بعلاقة جدلية مع الأسطورة  وفق رؤية حدسية تجعل من المعنى الدلالي شيئاً مُتخيلاً يقبل التأويل ، يعتمد الأسطرة التي تُشير إلى إضفاء الطقس الاسطوري على ماهو ليس باسطورة والتي تمنح الأشكال الفنية قدرات تأويلية مُحمَّـلة بالمضامين الروحية ذات الدلالات الرمزية ؛ أي تحويل مُجمل الفعل الدلالي إلى أحداث ذات طابع أسطوري .

     مثل هكذا طقوس اسطورية ، نجدها قد تواجدت في منحوتات الفنان محمود عجمي الفخارية المُصغرة ، والتي تمثلت بمفردات تشكيلية ( الجسد الأنثوي- رأس الثور – المثلث الخصوبي – الحروفيات ..) ، لها القابلية على التحول والتجدد بفعل عمليات التحوير والتركيب ..؛ فالجسد الأنثوي على سبيل المثال ، في اغلب منحوتاته والتي كثيراً ما وجدناه مُتأثرة بشكلٍ  واضح بصور الآلهة الأم ( عشتار مثلاً ) في المعابد العراقية القديمة ، قد الى شكل  نباتي أو كائن أسطوري ، بفعل التمويه وقد يتداخلان معا ليشكلان فضاءات حروفية بوضعيات متراكبة ، تنعكس على الطبيعة السايكولوجية للمتلقي ليصبح النص المقروء فيما بعد نصاً مفتوحاً على الآخر  بالرغم من تزاحم بعض التفاصيل التشريحية في ملامح أشكاله الآدمية والحيوانية ...

      فضلا عن مفردة ( رأس الثور ) التي تكررت في مشاهده النحتية الفخارية المُصغرة بالرغم من انه في كل مرة يُعطي تأويلا جديداً  يًجدد حيوية الأسطورة القديمة ، فمرةً نجدهُ يدل على القوة والشجاعة ومرةً أخرى على الذكورة (الخصوبة والجنس) وفي مشهد آخر يدل على التكاثر أو يكون رمزاً للعبودية والظلم ..؛ إذ نجدُ هنالك بعض الأشكال المركبة قد تواجدت في الحضارة العراقية القديمة ــ في حدود مفردة الثور ــ ترمز إلى طرد الشر والسحر والتي كثيراً ما وصفت بعض الآلهة بالثور مثل ( الإله تموز – شمش – سين – انكيدو ...) فالثور كان رمزاً وموضوعاً للعبادة في العصور القديمة .

      فقد تُشير هذه الرمزية في بعض منحوتات " عجمي " الفخارية المتأخرة  ، إلى معنىً باطن ، ينبع من التكوين العام للمشهد ككل ، لينتقل بعد حين إلى المتلقي عند لحظة الاشتباك مع النص ، وفق آليات الحدس المُحملّة بالصور الذهنية ذات النسق الجمالي والمتمثل بقوة الخطوط المحزوزة على ألواح الطين التي تقترب في التنفيذ  من الفطرية والتلقائية الواعية الباحثة عن نصوص مشبعة بالوجدان وفق رؤية حدسية تحتمل التأويل والتخييل الى حدٍ ما . 

       بمعنى آخر إن الفنان يُحاول في كل مرة ، لحظة اقتراحه لمفرداته التشكيلية ، أن يستبطن حقائق الوجود بأبعاده الفكرية والجمالية ، المُستندة على قوة الرمز وفاعليته في التأثير على الآخر ، وفق رؤية الفنان التي تبحث عما هو مخفي ومتواري خلف المرئيات من اجل إحالة المشهد الحسي إلى نص فني يمتلك ثقافة وبنية معرفية ، تُساعد على اقتراح بنى جديدة محورة عن الايقون ومتحررة إلى حدٍ ما عن عناصرها الطبيعية .... ؛ سعياً  من الفنان إلى بلورة مفهوم الصورة المختزلة الخاضعة لهيمنة الصورة الذهنية عن طريق ما تفترضه تكويناته النحتية البارزة من أشكال متباينة المعنى ، تتصارع فيما بينها  ضمن علاقات جدلية بين ما هو أسطوري وما هو واقعي ، خاضعة لعمليات الحذف والإضافة والإبدال في بعض ملامح الأشكال بعيداً عن أصنام البعد المكاني إلى حدٍ ما  ، من اجل طرح فضاءات نحتية ذات بنية تصويرية محورة عن الايقون ، تنشُد المضامين والأفكار السوريالية على حساب القشور ..

 هذه الجدلية الحاصلة بين عناصر تكوين المشهد النحتي ، نجدها قد استندت  على أنظمة عديدة تحكمها ضرورات وجدانية ، تتآلف فيها العناصر وتتداخل معاً لتتوحّـد وفق أسلوب تعبيري متبع داخل بنية الصورة الفنية .

     فالفنان في اختياره لمفرداته لا يُريد ان ينفي مرئياته الواقعية المتمركزة في الذات وإنما يُريد ان يكشف من خلال أسلوبه التعبيري الذي يقترب من العوالم السريالية ، عن حقيقة المرئي الجوهرية نحتياً ؛ كونه قد استلهم من  قوة الرمز الحضاري ومن الشكل التراثي العراقي صور وجماليات يصنع منها تراتيل مقروءة تروي سيرة الإنسان الذاتية على ألواحٍ من الطين ...

      أي ان كيفية صنع الصورة الأسطورية التراثية تنبئنا عن منتجها أكثر مما تنبئـنا عن الشكل المصوّر فيها لان الفنان عندما يجعل تاريخنا الوجودي وقواعد الحياة المتمفصلة بذاكرته البكرية سرداً لمأساته وآلا لامه وأحلامه ، إنما يكشف للقاريء بما فرضته عليه أزمنة الحروب من تشظيات واغتراب .

        فالتراكم المعرفي لدى الفنان " محمود عجمي " المتمثل في دراسته للملاحم البطولية والأساطير العراقية القديمة سومرية كانت أم بابلية ، بجانب التراث ، قد اقترح تكوينات نحتية بارزة ، ذات مرموزات حضارية تداخلت وتراكبت معاً لتقدم لنا موضوعاً لصورة ختم ، تُسهم في تحديد سمات دلالية ، تمنح مفردات النص الواحد مضامين ، بل وتحقق للمتلقي الاتحاد بين ما هو مدلول داخلي ذاتي والشكل الظاهر للعيان ، مما يؤدي بنا القول بان التعبير المستند على الفكر الحضاري الميثولوجي  يؤسس استثارة ذهنية وإنعاش فعلي للمدركات الروحية على حساب المدركات الحسية .

   

التشظي والاغتراب ...اشكال مدمرة حتى الغياب في تجارب كاظم نوير

د. شوقي الموسوي

جريدة الاديب /2005 /العدد 54

   مابين تقاطعات الأمس ، وتصادمات الحاضر ، وُجد الحوار يتيماً ، وسط تراكمات الحرب ، التي قذفت الإنسان إلى المجهول ... بعيداً عن الهوية العربية الغائبة ، التي أمست وأصبحت وما زالت تنظر بعين الآخر وتقرأ لنا وله بأدواته !! ، يجدُ الفنان " كاظم نوير " طريقه مُحملاً  بأفكار متمردة ، تتسائل لأجل الأسئلة ، وتحاول التقرب إلى حالة من حالات الانفتاح على الآخر ، لاستدراك المتراكم الهائل الموجود على أعتاب القرن الحالي . . قرن الحروب ... هذه الأفكار تُحاول أن تستفهم عن معنى الخلاص ، وان كان في الانفتاح أم في الانغلاق أو الانفلات والانجذاب نحو الآخر الخارجي ، المتربص بنا منذ زمان ، فهل ينغلق هذا الانفتاح أم ينفتح هذا الانغلاق في مرحلة من مراحل تحليل خطاب اليوم ؟!! وما هذا الخطاب ؟ هل هو الايديولوجيات من جديد ؟! وماذا يُريد لأجل الغياب ؟!! هل يطلب المستحيل ؟ وما المستحيل ؟؟!.

     كاظم نوير ، نجده مندفعاً ، بعد ان أكمل دراسته العليا – الدكتوراه – وبحثه في موضوعة الذاتي في الرسم –خاصة في تجاربه المتأخرة - إلى إنتاج سياقه الفني خارج مرجعيات الرؤية التقليدية وبعيداً عن تكرار المستهلك المادي المطاع !! نحو مستويات ما ورائية ، تُحاول كسر أفق التوقع لدى القاريء باتجاه حالة من حالات الإغتراب أو الانزياح نحو الهامش ، بعيداً عن المعاجم القيمية ..؛ لكون الفنان قد استلهم من طروحات الحداثة وما بعد الحداثة الفكرية ، تطبيقات – خاصة التفكيكية ونظرية التلقي – أثارت مشكلة (( موت الإنسان )) ، التي شكلت – التطبيقات – تدمير للمراكز الثابتة والايديولوجيات الوضعية ، المراكز الدلالية وبؤر المعاني المرتبطة بها ..؛ ولكون التفكيكيين – أمثال دريدا ..- قد ابتغوا من ذلك ، تأسيس خطاب جديد يقوم على أنقاظ خطاب الحداثة ؛ اذ يكون موت الإنسان المُعلن هنا ، موت شكل إنسان وليس الإنسان ؛ لان حدث الإنسان هنا ليس مجرد تعبير عن معرفة جديدة ، بل هو تعبير ايديولوجي عن نزوع الانسان المعاصر نحو الاستغناء عن النشاط أو العقل في إطار مجتمع تكنوقراطي ..؛ على اعتبار ان فن ما بعد الحداثة ، قد احتفل بأنموذج التشظي واللاتقريرية ، اللاتأليفية كمقابل لشموليات الحداثة وثوابتها مع دعوته الى إبداع أساطير الماضي المتمردة التي التي تتناسب مع مفاهيمها ، الرافضة للنماذج المتعالية ؛ إذ ناهض هذا الفن ، الشكل المنتهي من جميع أبوابه ودعا إلى الشكل المفتوح واللعب الحر والى الأدائية الفردية والغياب ، فضلاً عن سيادة الدال والأثر وعدم ثبات المعنى وعدم جوهريته ، فلا شيء تحت  القشرة سوى القشرة ولا شيء تحت التجربة سوى التجربة .

       من هنا نجد ان " كاظم نوير " قد أقدم على عدم التقيد بتقنية أو شكل معينين ، مستعيناً بالتقنيات المجتمعة معاً ، وبمعالجات فنية تستدعي مفردات الهامش ( تقنية التقطير – الحك والتحزيز أو الحفر – الحرق – الكولاج – الطباعة ... ) ،معتمداً على التكوين المؤمن بالتشظي وباللعب الحر وبالأدائية التحولية ، التي تُعطي انتشار للمعنى وانفجاره !!..؛ اذ شكل الفنان من خلال تجاربه المتأخرة ، حقلاً من الإشارات والعلامات العائمة التي تقبل التأويل وتستدعي قراءة ما لا يُقرأ فيها من قبل ، لإنتاج قراءة جديدة تُعيد تشكيل معنى آخر جديد ، ضمن خطاب معني في كل مرة بتفكيك أي مركز دلالي ، لصالح تحميل النص (اللوحة) ، قراءات متجددة واعتبار مؤلف النص (اللوحة) ضيفاً عليه حاله كحال القاريء الذي أحاله المؤلف ذاتاً واعية بل ومشاركاً في انتاج النص التشكيلي .

      من خلال محاولات الفنان العراقي المعاصر – الثمانيني والتسعيني – في جعل الدال استدعاء للأشكال كدوال عائمة ومنزلقة - على حد تعبير (لاكان) – جعلت المتلقي القاريء ، يلتجيء في كل قراءة إلى مخزونه اللاشعوري ، بحثاً عن حالات تقبل التأويل بالمرجعيات البصرية ، أي تمكنه من ان يفهم الخطاب البدائي المفتوح ، من دون الاستعانة بالمؤرخ ، لينتج من خلالها تحرير الدال لإحداث الاثر في ذاته، بعيداً عما يُريده الآخر ... كاظم كغيره من زملائه التسعينيين ، حاول ان يغرق قوانين اللعبة التصويرية ، عن طريق تقويض المراكز الدلالية وبؤر المعاني ، من خلال تسطير لمجموعة من آليات الإدراك الحدسي التي يرتضيها اللعب ، والقاضية بإحالة الدال إلى دال آخر جديد ، مع تغييب مقصود للمدلول ، مما يؤدي إلى تلون الدوال ، وتعدد القراءات وتشظي الدلالة ، فضلاُ عن انتشار المعنى للتأويل في ككل قراءة ..

هذا الانتشار الذي ساعد فنان اليوم – فنان ما بعد الحرب – على ان يخرج من القياس إلى اللا قياس ، من الجمال الساكن إلى المتحرك ، من المقروء الى المكتوب .. في ظل لُعبة الدوال وتغييب المدلول ؛ بمعنى ان الفنان هنا يُحاول جاهداً من خلال مُعطيات التفكيك ان يجعل من اللعب الحُر ، يتجه الى مراوغة المدلول للدال ، بحيث تتحول العلامة المغلقة إلى علامة عائمة ، غير مستقرة ، تُثير لدى القاريء أسئلة متوالدة ، تجعله يُحاول ان يثبتها للوصول إلى معنى محدد .

     فالتحولات الفكرية لحقبة ما بعد الحداثة ، الداعية إلى نفي التمركز حول المرجعيات ومعاداة كل أنواع السرد والاحتفال بالهوامش والشيفرة الشخصية وزعزعة الثقة بالأنموذج الكوني والتمسك بالتشظي والغياب ، قد أحدثت تحولاً نسبياً في النتاجات المتأخرة للفنان العراقي المعاصر بشكل عام والفنان كاظم نوير بشكلٍ خاص ؛ حيث النتاج الممتليء بالتقنيات الأدائية المجتمعة معاً ، التي أسست على وفق آليات النص المكتوب ، بعيداً عن النص المقروء ، لإتاحة الفرصة للقاريء النموذجي ، كي يسهم في إنتاج النص ، ليتحول دور القاريء من دوره السلبي – الاستهلاك -   إلى الدور الايجابي – النتاج – ليتسنى له المشاركة في إنتاج نص جديد يُمارس إرجاء أبجدية للمدلولات ، من خلال تمسكه بالدال المتسم باللعب الحر وهي سمة تجعل من المستحيل إغلاق النص بمركز محدد .

   كاظم نوير ، لا يمنح المتلقي أية نماذج ، بل نجدهُ يُدمر جميع البنيات الصورية إلى حـد الغياب ، تاركاً آثار أدواته تُـذكر الآخر بحضوره على الرغم من غيابه !!، لإعلان ولادة القاريء الذي سيحل محل الذات المبدعة ، كذات جديدة تعيد إنتاج النص (اللوحة) .

 

الحدس في التشكيل العراقي الحديث

د. شوقي الموسوي

جريدة العراق / 2000

      ان المتطلع لتاريخ حضارة وادي الرافدين سوف يجد ان نتاجاتهم بخصوص الفن المتمثلة بحضارتهم العريقة ماهي الا محصلة لتعاقب اجناس بشرية من مختلف الاصول واللغات المتباينة لتعكس لنا نظاما روحيا واخلاقيا مترابط بوحدة تامة وبتنويع داخلي اصيل ليصبح الفن عندهم وسيلة من الوسائل التعبير عن احاسيسهم وقيمهم الجمالية الشخصية.

 ووصولا الى ان الفنان التشكيلي العراقي الماصر الذي راودته دائما ثمرة الامل للبحث عن جذوره التاريخية لاحياء تراث اجداده القدماء (بالاشعور الجمعي) لتاسيس قيم ابداعية حضارية برؤية معاصرة ليحقق اسمرارية تواصلية زمنية مع افاق امته المشرقة.

فالمتتبع للنتاجات الفنية العراقية حاليا يجدهاذات اصول سامية رافدنية ..بحيث نرى ان الفنان العراقي في يومنا هذا لايبحث عن القشور المتمثلة بما هو نسبي بل عن الالباب التي تصل به الى الابداع (المطلق) وذلك بابتعاده عن النزعة العقلانية تجاه الفن واستبدالها بالاستجابات الحدسية للحوافز الوجدانية وبالتالي تنمو رموزه الفنية لديه من خلال عملية الابداع نفسها .

اذن فالنزعة الحدسية تمثل احتجاجا على النزعة العقلية التي سادت القرن الثامن عشر بعد الثورة العلمية باعتبار العقل اداة سيطر بها الانسان على البيئة المحيطة به والمعتمدة على الوصف بينما نرى ان الحدس لايدرك بها سوى حقائق الشعور الباطني لنيل المطلق واقتناص الحقيقة التي تنتهي الى الذاتية.

فالفنان الحقيقي العراقي في سنواته الاخيرة برغم الضغوط وسلبيات لحصار المفروض اخذ موقع الصدارة في الفن لانه انسان قبل بالتحدي منذ الازل صانعا من اللاشيء اشياء خالدة.

وعلى هذا الاساس ينفرد الفنان هنا في طريقة الرؤية لدراسة اشياءه بعمق وذلك بالغور والنفاد من خلال الاشياء للتعرف عليها من الباطن للكشف عن الفردية المعمقة بالتامل الجمالي الخالص البعيد عن اية منفعة لكي يستمتع بتحرره من قبضة العالم الخارجي باعتباره – التامل- علاجا للحياة وسعادة مبكرة.وهذه الخصائص والجمالية وجدناها مترسخة في اغلب  اعمال فنانينا منهم :اسماعيل الشخلي- جميل حمودي-سعد الطائي- شداد عبد القهار- عادل كامل- عاصم عبد الامير- فاخر محمد- مهدي الاسدي وغيرهم.

فالتجارب الفنية في العقد الاخير من القرن العشرين في العراق اخذت مسلك التجريد ذو التحولات الاسلوبية والوضعيات التكونية كمحركات لمفردات داخل فضاءات اللوحة معمقة بالروحية معبرة عن الموسيقى والشعر وبالعلامات المختزلة.

فهذه التجارب عبارة عن خلاصات اطلقتها الذات العارفة كخلاصة لوقائع تدركها الشعور وامتزج معها وهي وليدة التاملات الحدسية التي تقف موقف العبادة امام مشهد الحياة باعتبارها الحدس صورة لروح اكثر مما هو صورة لشكل لتحقيق المطلق (الزمان الحقيقي) في الشيء ذاته.

لان الشيء في خارجه هو زمان مغلق اما في داخله فهو زمان مفتوح (جمال متجلي) وهو وسام الفنان العراقي الاصيل لتحقيق الابداع بالحدس كعملية انصهار الافكار ليحصل الاندماج بين الفنان وموضوعه.

 

حضارة الجسد....تداعيات المعنى واشكالية التعبير في منحوتات طه وهيب

د. شوقي الموسوي

ان اللاوعي ضمن تشظيات الذات المعاصرة ، لم يـعُد معزولا في منطقة بعيدة عن الوعي ، إذا ما اعتبرنا إن الإبداع  صيرورة  ديناميكية بين الوعي واللاوعي من جهة ، وبين وعي ولا وعي القارئ  (المتلقي) من الجهة الأخرى ، لتؤلف معا مكونات الجسد الواحد ( الوطن ) وفق حركة تأويلية منفتحة على الآخر المتربص بنا منذ زمان ؟!! والغير منتهية ، ضمن رؤية ثقافية سحرية وانثروبولوجية ، تبدأ بالعطاء لحظة ولوج فكر القارئ  النموذجي فضاءات النتاج المتمفصل بالجذور ، والتي تجعل من المثال أنموذج  ممتلئ بالديمومة ، كي لا يتلاشى هذا السحر فيصير وهماً .

      هذه الرؤية أو ما نسميها بالاستمرارية ، نجدها قد انسحبت على نتاجات الفن العراقي المعاصر،الذي يُحاول جاهداً حماية وجوده من الزوال ، من خلال الحفاظ على تراث الحضارة والمعاصرة عن طريق الاستلهام المستند إلى الحدس ، منذ نتاجات جماعة بغداد للفن الحديث ، مرورا بإبداعات الستينيات والسبعينيات وصولا إلى إبداعات فناني التسعينيات ... وما نتاجات التشكيلي النحات " طه وهيب " المتأخرة ، إلا تأكيد لما تقدم ؛ إذا ما اعتبرنا إن طموح الفنان هو تجاوز نفسه بالرغم من حفاظه على التجربة البصرية لموضوعة الجسد .

      فقد حاول الفنان طه وهيب ،أن يستشعر أشكاله في العمق ، لتظهر التكوينات كما لو كانت تتجه ألينا ، مُعتمداً في تغذية أفاريز فكره على  ذاكرة المدينة الأسطورية ( أور ، الوركاء ، بابل ، نينوى ... ) فضلا عن إصغاءاته الواعية  لترميزات الإنسان الوجودية في نتاجات رواد النحت العراقي المعاصر ( جواد سليم ، محمد غني حكمت ، خالد الرحال ...) فضلا عن تكوينات " منعم فرات " الفطرية .. ، من اجل اقتناص الهوية عن طريق اغتراف الفنان لأقنعة تكويناته وانطباعاته من مجتمعه ، كي  لا يبتعد عن القيم الروحية لحضارة الطين ، حتى لا يكون النحت مجرد آلة طيعة بأيدي الغرباء الجدد !!؟

       فالنحات في تجاربه المتأخرة يحاول جاهداً أن يستحضر كيفيات التعبير الغائبة عن البصر ، بجعل مفردات تكويناته ( رجل وامرأة ، ثور ، جِـمال ، جمادات.. )  تتناغم زمانياً مع الفضاء الأحمر المحيط بها ، للتعبير عن محنة الإنسان مع عذاباته المتكررة   ...  فالأجساد المتهالكة والمنعزلة في الظلام ذات الملمس الوعر في منحوتاته البرونزية والمنفذة مُسبقاً بالطين ، وجدناها أجسادا  بلا هوية ، بلا ملامح ( بلا رؤوس ) ( نساء قرويات متوشحات بالحزن ، طفولة ضائعة ، أجساد مُهاجرة الى المجهول .. ) ، يحتضنها تاريخ الصبر والصمت في زمن لا تُعرف له  لغة ولا  لون ، سوى الحرب !!

      فقد أيقظ فينا الفنان من خلال تحميل منحوتاته تضاريس الاغتراب ، ذاكرة الطفولة بجانب ذاكرة الزمن البعيد ، كقيمة نمطية يمكن إيصالها إلى الحاضر ؛ لأنك ــ على حد تعبير باشلار ـ لن تجد أحدا عديم الشعور كليا إزاءها ، فإنها تعيد الإنسان من جديد  إلى حس الدهشة إلى الحقائق الأولى في المرات الأولى ، إلى الولادة ...؛ على اعتبار إن الحداثة المعاصرة قد أثارت في نفس الفنان كما أثارت زملائه التسعينيون ، رغبات ثورية قديمة ، قد غلفها ظلام الأمس بالصمت ، كمحاولة منه إلى التعبير عنها من خلال إسقاطها ذاتياً على صفحات الفضاء السالب ، بمنهجية الواقعية السحرية التي ظهرت في بداية الثمانينيات من القرن الماضي والمُحـمَّلة بالغرائبية الشعرية التي تجعل من النهاية بداية ، وسط تراكمات العصر ؛ كون الفنان قد ابتغى ان يكون باحثا عن لغة جديدة للشكل بدلاً من أن يكون ناسخا للنموذج ، انسجاما مع تطلعاته الفكرية المتواشجة  مع مكونات عصره ، سعياً منه إلى تأسيس قيم جمالية جديرة بالتأمل ، لتتخذ فيه بعض الملامح الواقعية صوراً خيالية تحصل فيها عمليات التبسيط والتمويه والتجديد فيتم اقتران الشكل بالمعنى لاقتراح صوراً  جديدة تُدرك حدسياً لبلوغ غايات جمالية .

    هذه القيم الجمالية وجدها الفنان " طــه " في تخطيطاته الأولية واعتبرها أثمن من النتاج المنتهي نفسه ؛ كونها تحوي طاقات هائلة من الإحساسات والانطباعات الأولية ذات التلقائية المتضمنة الفكرة الأولى المرتبطة بالجذر الأول في اليوم الأول ، فهو يرسم من اجل النحت ..... فالمهم هنا ، هو في إظهار المضمون ككل على حساب القشور من خلال عمليات التبسيط والتحريف والترميز لصالح التعبير لإحداث تحولاً بنائياً في التكوين العام يخدم الجوهر لأجل السماح لعناصر التكوين النحتي ، بان تمتلك طاقات سحرية تنفتح على خارج حدود الرؤية المكانية لحضارة الجسد ، لاستحصال فكرة ماورائية ، بعيدا عن المحاكاة المباشرة التي تجلب إلى النص التشكيلي أسطورة اسمها الوهم .

      ثمة تلاحم بين أجزاء تكويناته النحتية الممتلئة بالمضامين الإنسانية بحدود موضوعة الجسد ، سعى إليها الفنان من أجل أسطرة مفرداته المقترحة ، التي تتمرحل بالذهن من الصورة الطبيعية إلى الايقونية فالحدسية ؛ كمحاولة منه إلى إضفاء بعض إشارات المثالية على المشهد الواقعي العام التي تدخل في تأسيس الصيرورة الفنية من خلال توحيد الأجزاء معاً بالمعنى ....

     فمثلا  نجد هنالك دمجاً في  القوائم مع بعضها البعض ـ في مشهد تشكيلي مكون من شكل حيواني (جَـمَـل) مع شكلين آدميين ، يشتركون معا بقوائم أربعة ، فضلا عن مشهد يضم  ثوراً  محمولاً  على أكتاف شخصين وقد اشتركوا أيضا بقوائم أربعة  ـ والى آخره من هذه اللانهائية من حالات الدمج أو التواشج أو الالتحام العضوي، المقصودة من قبل الفنان والمحمّلة بعذابات ( الوطن والحب والألم والضمير والغربة والأمل والموت والنخيل... ) من اجل توحيد مكونات الجسد المتشظي ، على حساب أقنعة الآخر !!!.. كما في منحوتة الشخص المحني الرأس الذي يحمل أمتعته الدنيوية بيد ويرفع باليد الأخرى جعبة كبيرة الحجم ، كأنها المومياء التي تخفي خفاياها عبر العصور ،.. فضلا عن منحوتة لجسد مكبل بالقيود ، جالس في زورق صغير (مشحوف) مرصع بالثقوب ، وهو يتأمل المصير الأحمر بهدوء !! ، وسط زحمة الركام اللانهائي من الألم ... بالإضافة إلى كائنات تتضرع إلى الخالق ، تصلي للشهيد مع نساء حالمات بالمجهول الذي طرز أجسادهن بالشقوق  كالوشم الراسخ على صفحات التاريخ .

     فالفنان " وهيب " مع زملائه قد أطلقوا العنان لأمتدادات المخيلة التاريخية والآثارية والمعرفية في أغلب التجارب المتأخرة ، من أجل تأسيس تكوينات نحتية ذات المنحى الأسطوري إلى حدٍ ما ، تتفاعل مع الفضاء لتخضع لزمن ذهني لا بصري المحيط بها والتي تشكل معا ، مديات بلا حافات ، لا نهائية من الوحدات التصويرية والفترات البعيدة عن التكرار والممتلئة بالصيرورة الناتجة عن تداعيات الحركة الدائبة في الإيقاع والتي تجعل من التكاثر قانونا للوجود الفكري ، وفق ما تحمله الأجزاء من مضامين وحكم . 

 

خطاب الجسد ...في رسومات فؤاد حمدي

د. شوقي الموسوي

جريدة العراق  /2002 /العدد 54

      الكل يحلم ويتخيل ومن ثم يتذكر ليحلم ، ولولا الحلم والتخيل ، لما استطعنا ان نرى جمال العالم ولاختفى هذا الجمال منه ؛ بوصفهما  لا يعرفان العمر ولا الكبر ، فهما يجددان حياتنا باستمرار ويعيداننا إلى ذكريات الصغر ، لينطلقا بنا إلى المستقبل واللانهاية ،عبر مجريات الوعي الحر ، مابين اللذة والألم...

     فالإنسان بشكل عام والفنان بشكل خاص ، نجده قادرا على ان يحلم ويتخيل عالما اصدق وأجمل من عالمنا المألوف ، ممثلا في نتاجات فنية وجدت لتعيش " فوق الوجود " ؛ كونها تحيا واقعية سريالية وكما لاحظناها في النصوص التشكيلية المتأخرة للفنان " فؤاد حمدي " ، الذي وظف الحلم والخيال والفكر توظيفاً صادقاً ، استخدمت كأدوات رئيسة  في فهم الواقع ، ليفتح بذلك طريقاً للنجاة نحو الحرية والانعتاق ، كامتداد لمقدرة مماثلة في الطفولة .

    اذ نجد ان الفنان من خلال تعبيريته المفعلة للخيال والرمزية ، قد جلب ماضيه إلى حاضره ومنه التقط ومضات عن المستقبل ، من ثم قام بتجسيدها على مواقفه الحاضرة والكامنة في لا وعيه الجمعي والفردي والمتضمن امكانات فكرية مستمدة من تاريخ حضارته الرافدنية العريقة..

     فقد هيمنة على اغلب أعماله موضوعة الجسد ، ذي الحركات الديناميكية المحتدمة بالجنون ، سواء أكانت في مجال الرسم أو النحت .. بالرغم من انتمائه الى المجال الثاني .. فهو يختصر الأحزان بحركات الأجساد المتهالكة ، كلغة مباشرة من أجل إظهار المضمون الذي يمثل ذاتيته المعبرة عن ارهاصاته الداخلية ..؛ على أساس ان الجسد بتعبيراته اللا شفوية وتداعياته الأسطورية ،يعتمد على اللغة المنبعثة منه ؛ كونه نظاماً لغوياً . فاللغة تشيد معمار الجسد المبدع في الفن ، متجاوزة بذلك ، النص او الخطاب أو الأقنعة..!!

      إذ ان تجارب الفنان " فؤاد حمدي " التشكيلية من حيث استلهامها لموضوعة الجسد ، تكمن في التوصل الى حلول جديدة تتماشى وعقلية عصره لاستكمال الخروج عن الأشكال الكلاسيكية لإبداع تمظهرات جسدية جديدة ، تؤكد الوجود الإنساني الجديد ، حيث يقوم بتفكيك صوره الايحائية الجسدية ومن ثم يعود إلى تركيبها من جديد ، كإعادة صياغة ؛ لأجل التعرف على الجسد الآخر .

     فالجسد في العالم القديم ، كان يمثل غاية للرمز ، كمناطق الخصب فيها او تشكيل كائنات اسطورية ، تضفي على الجسد معاني تنبع من ذاتيته ، كالثور المجنح على سبيل المثال ، أو أبي الهول .. فالفنان هنا يُحاول ان يُعالج خاماته بحسب الخصائص الفنية لكل مادة ، حينها يوظفها في البناء التشكيلي . فالطين والجبس والبرونز والشمع والخشب ، خامات ذات فاعلية عالية ، كل حسب خصائصه، اشتغل عليها عن طريق اتباع عمليات التهذيب والصناعة المعقدة للوصول إلى الملمس المطلوب حيث يمكننا مشاهدة عدة أوجه ، بفضاءات وحركات أجساده المتمردة ذات الفنتزة الخيالية ، بالشكل نفسه في مواده المرنة ، تغاير رؤية ملمسها على حسب صياغة طراوتها ، التي قادته – الأجساد - إلى التأمل ومن ثم التفكير بصيغ شكلية أخرى جديدة ، على وفق مواصفات تكويناته التشكيلية مع ألوان شفافة ، تضاف إليها فكرة تالية ، مع اهتمامه بالفضاءات المتنوعة للتاكيد على الحركة..

     حيث ان أغلب تكويناته البشرية في النحت والرسم ، قد أكدت على الجمال العاطفي الذي يغذي أحاسيسه ، لتعويض الجمال المفقود في النفس والمحيط بها ، لتظهر عواطف الفنان على شكل هيئات آدمية مختزلة ، تتناسب طردياً مع بنية النص الفني ..

ومن اللافت للنظر ان الفنان فؤاد شديد التنوع في أسلوب طرح أفكاره التشكيلية ( الرسم والنحت ..) ، فضلا عن امتلاكه لهوايات طريفة منها عمل الأقنعة عن طريق الصب المباشر لملامح الشخوص المراد استنساخها ، والمتلخصة بصب العجينة البضاء مباشرةً على الاجزاء المراد قولبتها ، بداية من الرأس وحتى أخمص القدم ، وقد أنجز الفنان أكثر من  ثلاثون  تمثالاً نصفياً ، لفنانين أحياء من رواد الفن العراقي المعاصر ..

    فالفنان فؤاد حمدي ، قد تمرحل بالجسد عبر أزمنة اللاشعور من الايقون الى الطبيعي فالفني ، متمفصل بالجذور للتعبير عن لحظات التأمل الخالص الذي يسبق الانطلاقة كالرؤية إلى الأشياء تأتي قبل الكلام.

 

سياحة داخل الزمن في رسومات صفاء السعدون

د. شوقي الموسوي

جريدة الاديب /2007/العدد 141

      ان قراءاتنا المتتالية للنص التشكيلي الواحد ، في لحظة اشتباكنا معه ، تجعلنا كمسافرين داخل الزمن ، المفتوح ، نقرُ ضمناً بأن نبتعد بفترة وجيزة من الزمن عن واقعنا المُعاش ، من أجل الوصول إلى منطقة بينية ، تربط بيننا وبين طفولتنا البكرية ، بمساعدة المُخيلة التي تلعب دوراً أساسياً ضمن آليات التلقي المُعاصرة في استحضار شخوص النص التشكيلي ، داخل شخص التلقي ، لتأسيس زمن جديد ، متداخل مع أزمنة البكر .

      ان الفنان التشكيلي العراقي المُعاصر بشكلٍ عام والفنان التشكيل  " صفاء السعدون " بشكلٍ خاص ، يُحاول جاهداً ان يتأمل داخل الزمن الجديد ، المُقترح ، العلاقة الجدلية بين المُعلن والمخفي ، الظاهر والباطن (( وجود باطن يُغلف الباطن )) ليُذكرنا بتأملات " ميرلو بونتي " الحدسية التي تشتغل في العلاقة بين الكلمة والصوت ، عندما أكد بوجود صمت يُغلف الكلمة بعد أن لاحظ ان الكلمة قد غلفت الصمت ..؛ على اعتبار إن الفنان لا يُريد أن يُقدم الثقافة بوصفها قناعاً خالياً ، من المضامين الروحية ، المؤجلة بسبب غياب المعايير ، والأخلاقيات البعيدة عن آبار الصدق القديم ؟!! بل بوصفها ذاتاً مُبدعة ، تعمل بآلية تلقائية واعية ، ضمن تحولات ادائية ، تتخذ من الذهني انطلاقة جمالية ، لبناء خطاب  العصر الجديد ، عصر الحروب ، بعد ان عانت في الأمس أسطورة     اسمها الصمت !! .

    بمعنى ان الفنان " السعدون " لا يُريد فقط إستدراك المُتلقي ، إلى أزمنة الطفولة ، والتوقف عند حافات الذاكرة البكرية فحسب ، وإنما نجدهُ يؤسس من خلال انتهاجه الأسلوب التعبيري ، أثر المعنى في الحياة الواقعية المُجسدة في وعي القاريء ، بشكلٍ عام ليصبح التعبير وسيلة مُهمة ، يستجمع من خلالها المُتلقي ، معنى الخطاب التشكيلي الموجه إليه ، ليسلكه في حاضره  فيتمثلهُ في وجوده .

   فالنص المقروء (اللوحة) هُنا قد أصبح وجوداً حقيقياً ، سائحاً داخل أزمنة مفتوحة ، أقترحها الفنان لأجل ترحيل معنى النص إلى حياة المتلقي ، فتصبح كتابة الآخر فيما بعد كتابةً له ...؛ لان الفنان صفاء السعدون حاول ان يلقي بصمته على هياكله المحسوسة ، من خلال استدراك مخزون ذاكرته المعرفية لاقتراح فضاءات تشكيلية ، تُحاكي موضوعة الإنسان المُهمش ، وفق أسلوب تعبيري ، يخرج عن نطاق الأوضاع الكلاسيكية والرومانسية ، على الرغم من انه قد استلهم ثنائية التعبير عن كل من الكلاسيكية (دراسة الأجسام) والرومانسية ( التعبير عن القوى السايكولوجية ( حركياً وتشكيلياً ) .

حيث تمكن " السعدون " من ان يشمل في تكويناته الإنشائية ، الخصائص الجوهرية لمشاهد الإنسان المتعب ، والتي تمثلت في أغلب عنوانات لوحاته ( الشهيد ، أم الشهيد ، الأسرة الجائعة ، المقابر ، الأم الوحيدة ، الطفولة الضائعة ، الحرب والحب ، بئر الظلام ، الصرخة ... ) ، ان تكويناته التعبيرية والتعبدية بأدائها الحركي ، تُذكرنا بأسلوب جماعة الجسر ، أ و القنطرة ( Die Bruke ) المتمثلة بنتاجات الفنانين ، أمثال ( لوتفيج نولده – مونش – أنسور .. ) ذات الطابع الثنائي الذي يجمع الجانب الاجتماعي بالجانب الفيزيقي ، وخاصة في لوحات الفنان البلجيكي " أنسور " الممثلة بشخوص مقنعة ، تكشف عن خفايا النفس الإنسانية وفق رؤيا ذهنية ، تستخدم التشوية والتبسيط ، في بعض الأجزاء مع عنف اللون اللاواقعي ، كوسيلة للتعبير عن الأعماق .

     نجد ان الفنان بعد ان أكمل دراسته العليا للدكتوراه في جامعة موسكو عام 2004 ، حاول ان يستدرك المتلقي ، من خلال تكوينات لوحاته  المتأخرة الى التعبيرية الروسية ، الممثلة بفناني الروس المُهاجرين إلى باريس عام 1014 والذين مُلئت قلوبهم بالحزن وآلالام والحنين الى الوطن ، أمثال ( الفنان  باسان -  الفنان  شاجال - الفنان  ماكس ويبر  ... ) .. فالسعدون يُحاول ان يقترح خطاباً ثقافياً ، يمتلك تنويعات الصراع الإنساني بين الثنائيات ( الصمت والكلام – الموت والحياة – الحب والسلام - ... ) القابعة وراء المُسميات القيمية ، بعد ان شهد الفنان الحروب التي مرت على بلده العراق ، بجانب الغربة المؤلمة التي فسحت مجالاً خصباً للامتداد والتعبير عن المآسي والآلام المتكررة ، التي استباحت وطنه ، فوجدناه يحدُ في أغلب تكويناته من واقعية الأشكال ، من خلال ضغطه على الحدود الخارجية ، عن طريق تشويه معالمه المرئية ، كمحاولة منه لإعطائها صفة الديمومة والإحساس بالظلم المتكرر ، التي تحدثها الألوان الحيادية الممتزجة باللون الاحمر ، والحركات الانفعالية للخطوط المتكسرة ، من قيم انسانية ، انفعالية عند المُتلقي .

      فقد وجد الفنان ، من خلال تفكيره في مثل هكذا ثنائيات بان مقياس الحقيقة المُغيبة ، والتي مازلنا نبحثُ عنها في الظلام !! هو الألم الإنساني المُتراكم نتيجة الصمت الطويل ، الذي نستشعره في ملامح شخوصه المُعذبة ( وجوه خائفة – تائهة – جائعة – منتظرة – مترقبة – مجنونة – مُحبة ...) التي تقترح تكوينات مشحونة بالانفعال ، لا تتقيد بالعالم المرئي إلى حدٍ ما ، منطلقة من مُعطيات الشعور والتأمل ، وفق آليات التعبير ، من أجل تحريري الصورة من عوالقها المادية (القشرة) ومن ثم أحالتها إلى وجود روحي ، يؤكد مفهوم الوحدة (الوطن ) بين أجزاء النتاج الفني ككل والتي تسمح – الوحدة – لأشكال تكويناته من أن تتفاعل فيما بينها من أجل البحث عن البنى العميقة التي تخفي خطابها الروحي ، وراء هياكلها المُتمظهرة بهيئة غياب ؛ لان الحضور لا يقوم إلا بالغياب .

      ان تكوينات الفنان " صفاء السعدون " التعبيرية ، قد ساقتهُ بفعل قناعاته الأخلاقية والتصويرية ، إلى اتخاذ موقف  جمالي ، فني ، يبحث عن حقيقة الضمير المبتعد عن القشور ، باتجاه الأعماق ؛ كونه قد تمرد على الواقع الذي اعتبره مظهراً  مزيفاً ، يخفي حقائقه وراء أقنعته المؤدلجة بالظلام ، ليصبح التعبير في النهاية كالموسيقى التي تخفي خفاياها عبر العصور ، من أجل اقتراح بنية غياب ، تحمل المضامين المقرونة بالصدق ، كالماء في بلاد الرافدين ، الذي أصبح بنية غياب ، يحمل خفاياه في جعبته ، فلا حياة بدون وطن ولا حضارة بدون ماء .

 

صناعة الاسئلة والاصغاء الى الصمت ...قراءة في نص الناقد عادل كامل

د. شوقي الموسوي

جريدة الجمهورية /  2003 / العدد 11051

في العمق وفي ادق التفاصيل ،نستنشق غبار الصمت والازمان كي ترتوي الروح الابدية،لتصغي الى الغائب الحاضر،ثم تتوغل في مملكة القلب لتصنع الاسئلة النبيلة المتمفصلة بالجذور والماضي الموغل.

فمنذ قراءتنا التزامنية الاولى لبنية نص (عادل كامل) المنشورة في العدد(24) من اذار عام (2002) في مجلة بيت الحكمة وحتى في كتابه..استنشقنا هذا الغبار الشفاف الذي سحر دهاليز القلب ورحها بنسوة صادقة الى الحقل المعرفي ،منتقلا بنا مع انساقه الكلامية المستندة على افكار الروح والمثال اللامنتاهي ،ليستمد وجود الفن والنقد من خلال الذات المفكرة والمتحدة مع افكار الغائب لابراز صوت الحقيقة ،الهوية في الحوار المتناهي.

ابتدا حديث الناقد عادل بانساق استفهامية مثلا (في اية متاهة يتحرك النقد والفن؟ وماهي الثوابت التي سنتوقف عندها؟وماهو المناخ الفني لها ؟ولماذا..؟مؤكدا على الصناعة الاسئلة أي الانتاج لمعالم جديد في ازمات خطيرة تجعلنا نتحسس في ظلام مالا تراه  في النور،كدعوة للتامل الصافي والتنوع والتعلم ومن ثم الابداع).

حيث فسر العوامل الاساسية التي التي شكلت ملامح التشكيل العراقي وعلاقته بالنقد الذي ابتدا برسومات عبد القادر الرسام،حتى اشكال الاستنساخ الشائعة اليوم ،عندما ميز ظاهرة التاثير بالحداثات الاوربية التي رافقها النقد الذي لم يكن على حد تعبيره الا ظاهرة ادبية رافقت التجارب الفنية التي اصبحت رائده اليوم،مع تحولات النقد في الستينات الذي مثل علاقة متشابكة مابين المجال العلمي والنظري ،ليبقى الاجتهاد الفردي سمة عامة للتجريب وللعشوائية!!التي تتعايش على ارغفة الاخر ،المنتج للفن الذي يتحرك بحرية خارج الارادات وصولا الى التعددية المناهج النقدية التي نشطت بعض الشيء الحوار وانتجت اعمالا كمية وكيفية طوال سنوات الحصار والتي لم نر أي توثيق او رصد لها من قبل النقد.

فقد وجدناه - عادل كامل-يحلل ظاهرتي الفن والنقد من خلال عناصرها الاولية،ينظر الى الجزء من خلال الكل ليصل الى المعاني الكامنه داخل نصوص الظاهر لانتاج الفهم الكامل (الكشف..التشخيص ..المعالجة) كي تتكامل الهوية.

فصوت هذا الناقد يبتغي دوما صناعة الحوار الشفاف مع الغائب وحتى وان كان الغائب يتمثل بالذات او الضمير،المهم هنا ان لاننغلق عليها فهذه الظاهرة لا مثيل لها امام ظاهرة اعق واخطر من الاولى وهي ظاهرة الاصغاء للصمت!! التي لانجدها في اغلب حواراتنا المنتهية دوما بالشتباك المتقاطع! كون الحوار ينمو ويتطور على قدر الاصغاء لنجد في النهاية ان الاصالة قد تقاطعت مع الحقيقة بعيدا،في ذات الوقت الذي ظهرت مسميات مابعد الحداثة كالعولمة والبراغماتية الجديدة ومناهج البنيوية التي اكدت موت التاريخ وموت المؤلف وموت الفن فهذه اشكاليات لايمكن سكوت عنها نطرح صوتنا مع صوت الاستاذ (عادل كامل) لمراجعة تقاطعات الحاضر ودراسة ازمات الوسط الفني اذ ان المتتبع لكتابات الناقد والاراء الاخرى،سوف يجد اشارات كثيرة تؤكد ان اغلب النتاجات الفنية والكتابات النقدية المرافقة لها تكاد تكون محض افكار ماخوذة من المحاكاة المباشرة لمصادر الاخر الذي يمكن نسميه المستعمر منذ حملة نابليون على مصر حتى نهاية الحرب العالمية الاولى التي هدمت جدران الحوار هذا الغازي يفرض اشكال وجوده بطريقة وحشية لا مبرر لها سوى القتل من اجل القتل التي جعلت من محاولات انتاج الاصالة اسطورة الحاضر لتجعل من العقول ببغاوات تاكل وتقلد وتستهلك لكي تموت!!؟

فالاخر على حد قوله الناقد (يريدنا ان نحافظ على انتاج اقنعتنا التي فرضها الاخر وطبيعة العصر ليغدو الفن استهلاكا واكثر صلة بالاساليب المستعارة على حساب المضامين التي تعمل في القاع...).

ونسترسل الحديث لنتامل ونتذكر الازاحات التي تمثلت بداياتها بظهور جيل الرواد (في الخمسينات) المستلهم للبيئة العراقية التي ازاحت ماقبلها فيما بعد من قبل جماعة بغداد للفن الحديث عندما استلهموا التراث الشعبي والجذور،مرورا بجماعة الانطباعيين وتاسيس معرض بالتجريب والتجريد التبيري ،اذ ان قانون الازاحة الازلي على حد تعبير عادل كامل (علمنا ان نجتهد في الاصغاء درجة سماع الصمت،من اجل دهشة مقنتعة ومعرفة شفافة..).

ان الناقد عادل كامل جعلنا نعلق افكارنا مع افكاره على جدران الصمت كمحاولة للاهتمام بزمن الغائب عندما اختار صورا شفافة في التعبير كونه اراد ويريد دائما في حواراته ان يكون هناك اصفاء لما يقول ومايقال اصغاء الى الحكمة العميقة التي يبوح بها الصانع الحكيم فهو يفترش مائدة افكاره في كل مرة على ارضية ملساء من النقد والفن والمنسابة بلغة الشعر وصولا الى بداية اية نهاية.

 

عشق وتراب في لوحات ماجد شليار

د. شوقي الموسوي

جريدة العراق /2002 /العدد 7519

     ان هاجس الانتماء الى تراب عن طريق الابداع الفني،كان ومازال يترك اثارا واضحة في نتاجات الفنانين الذين يهدفون الى ترسيخ الافكار الاصيلة المتمفصلة بالجذور،لتنتهي بهم الى الحقيقة والى الذاتية الفردية؛بوصف ان الفنان الاصيل لايبحث عن الاحداث العبارة او المشاهد السطحية البعيدة عن مراة عقله وروحه بل عن رموز الانطباعات الاصيلة الماضية  التي تغزو حضارة من اجل فكرة مبدعة للتخلص من التقليد الحرفي على اعتبار ان الحياة تسجل حاضرا يستمد مقوماته وجوده من الماضي في ضوء الحاجات المستقبلية وبالتالي يظهر الفن بهذه الطريقة وكانه بنية للحقيقة يشعرنا بالامتداد في عالمنا الخارجي ويوحي بالصيرورة والتجديد والجمال.

     وعلى نحو قريب مماقلناه ،سنجد في هذا الانتماء تجارب لفضاءات تمنح التشكيل بنائية ذاتية خاصة موجودة في الكثير من التجارب مبدعينا العراقيين المعاصرين وكانها تضاريس تتعلق بتشخيصات ذاتية تحددت بالبناء الشكلي للمفردات وتحولات التكوين الفني داخل فضاء الهيكل المحسوس وهذا ماوجدناه في تجربة الفنان التشكيلي الشاب ماجد شاليار،الذي قدمها على قاعة دجلة للفنون لعام 2001،كخلاصة اطلقتها ذاتية لتختصر مشاهد ووقائع فلكلورية عراقية معبرة عن مدى تعلق الفنان بجذوره في الزمان والمكان.

      فقد انتهج الفنان اسلوب الواقعية الحديثة الممتزجة بالانطباعية وانشغل في اظهار الحقيقة ،عبر ذاتيته في رحلة شاقة وممتعة في نفس الوقت نحو عالم الفن،بوصف ان الواقعية تنحى باتجاه "الحقيقة" بدون نفي لاية حركة فنية اخرى وهي لاتقتل جمالية الفنون كما يقول البعض بل هي فن حقيقي له التزام قومي وانساني يشكل وعيا جماليا فنيا .

      بيد ان ماجد شاليار قد توسع في محاورة الطبيعة الواقعية وفق خياله التعبيري بجانب خبرته الاكاديمية ازاء مفرداته التشكيلية المختارة والتي جعلته يحول بعض لوحاته الى دلالات الهوية بعيدا عن النفعية كونه ينتمي الى جذور حضارة اصيلة متمثلة بحضارة وادي الرافدين العريقة والتي اجاد في نقلها الينا في لوحات فلكلورية عراقية كنصوص وشواهد حقيقية محتفلة بالالوان المتمردة فضلا عما حباه لله به من اخلاق واحساس مرهف حد نقاء.

       فقد فهم الرسم على انه بحث ودراسة متواصلين وليس عملية الية فهو لايحاكي مشاهده محاكاة جامدة بل يبدا بالتامل ومن ثم يجسد مفرداته عن طريق تنمية العلاقات التكونية على سطح اللوحة لتدوين وجوده اولا على اعتبار ان الرسم  طريقة للوجود على حد تعبير بولوك وثانيا للتعبير عن عمق افكاره ورؤيته الفنية وفق المكان المتخيل وليس المكان الموضوعي ؛كونه يصب اهتمامه في مطابقة تخيلاته وليس مطابقة الاصول.

    اتخذ شاليار اغلب مواضعيه من الواقع المرئي الذي يعتبره نموذجا خازنا للجمال،فتارة نراه قد رسم الحياة الشعبية بمفرداتها على علاتها بامانة وحذق وبالوان رومانتيكية على وفق منظور لوني وايقاع متجانس وتارة اخرى نرى له لوحات انطباعية تناولت الطبيعة الواقعية المضببة بالوان ترابية متقلبة مابين الفرح (الحب) والحزن الجميل ؛اضافة الى عشق الفنان للموسيقى التي جعلته يعزف على الته (الهارمونيكا) ولايفارقها الاعند البدء

     بالرسم ،ليستخرج من هذه العاطفة الجياشة امكانات جديدة تولد عن طريق الكيفية التي يعاملها بها وعن طريق التنسيقات التجمعية التي يخضعها لها ليعزف موسيقاه الجميلة.

     وفي غمرة بحثه عن الجمال الخارجي لنماذجه المختارة لم يغفل عن جمال الروحي لها، باعتبار ان الجمال الشيء يكمن في ذاته وجوهره ،فحينما يجبرنا الشيء الجميل الى النظر اليه فهذا يعني انه قد احتل مكانا في تفكيرنا يثبت وجوده ككيان زاخر بالحياة ؛وذلك لان شعور بالجمال ولاسيما الفني يبقى موجودا عند الانسان حتى وان تجاوز نورالعقل وهو مخبا في كل زمان ومكان كونه – الجمال الفني – ينبع من الانامل التي تبدع النماذج وهو لا ينمو من تلقاء ذاته،بل انه كائن في مشاعرنا .

 وبالتالي فان هذا فان هذا الشاب نراه دائما يعتني ببذوره (تكويناته) ويرصها واحدة بجانب الاخرى ليلعب في حقول ذاتييته بوصفها لغته الاصلية التي يؤسس بها وجوده الرسموي.

 

جدل الانسان والوجود في تجارب زينب عبد الكريم

د. شوقي الموسوي

  جريدة العراق /2002 /العدد 54

     أمام كل فعل إبداعي نستعيد قراءاتنا القديمة ، لترتبط مع القيم الفكرية الجديدة ، لاستنشاق الإبداع .. وعلينا قبل كل شيء أن نتعلم من هذا الفعل الإبداعي كيف نُصغي إلى الرسم الصافي ، من خلال البحث والتأمل .. فهناك الكثير من المتوهمين لم يجدوا في الرسم إلا وسيلة للتعبير عن حياة عاطفية ، معتقدين بأنهم يحبونه ، ولكنهم يتركونه يرحل بعيداً عنهم .. فان الرسم يجعلهم يفكرون في كل شي ما عدا الرسم !!؟ وبدون ان يحسوا به في ذاته ..؛ بمعنى ان الرسم يلهيهم عن الرسم ؟، كل هذا يرجع إلى عدم امتلاكهم الحساسية الشفافة ، التي نستعين بها للكشف عن الثغرات الظاهرة والكامنة في الأشياء ، فقد وجدت أصوات لتجارب شابة ، مثلت الجيل الجديد في التشكيل العراقي المعاصر ، من بينها صوت الرسامة    " زينب عبد الكريم " التي استطاعت أن تقدم أعمالاً فنية ، تؤهلها في المستقبل من أن تكون ضمن لائحة الفنانات العراقيات إن تمسكت بالطموح نفسه .

   بعد ان أكملت دراستها الأولية في الفن ، منتصف تسعينيات القرن الماضي ، توجهت لتطبيق أفكارها المؤجلة لتحقيق الهوية الفردية من خلال تقديم تجارب تحمل طابع الجدية ، الغائصة خلف السطوح المتمظهرة للأشياء ، في الأعماق ، مبتعدة عن المألوف والمطروق ، لتحقيق الاصالة .. فقد جعلت " زينب عبد الكريم " من لوحاتها مسرحاً لأحداث ومشاهد بانورامية الى حدٍ ما ، تحكي هواجس الإنسان بأجساده المتهالكة ، الصامتة ، المتألمة والمتكئة على الجدران ، تنتظر المصير والمرتبطة بلحظات الوجود والأحلام المموهة دائما بالحزن والذكريات البكر ، بل حتى   بالجنون !!!

          ان فرشاة الفنانة " زينب " نلاحظها وكأنها تصفق للوجود ، عبر حالات الامتلاء والتفرغ من خلال طرحها لتكوينات تتسم بالمغامرة الواعية المفعمة بالخيال الإبداعي ، الذي يعد وسيلة وجدانية تنتج الأسئلة الجديدة ، مشبعة بالأحلام والأوهام ، عبر الفيض المعرفي الجمالي ، تُعطي قصة شمولية لمثيولوجيا الجسد ، باتجاه أعماق النفس المقدّسة ، بعيداً عن القشور لان الأعالي ليست هي التي تخيف بل الأعماق - على حد قول                       ( نيتشة ) - .

    ان الأسلوب التعبيري الذي تنهجهة زينب عبد الكريم في صياغة مشاهدها التراجيدية الرصينة ، تتارجح ما بين ثنائية الإحالة والتمويه في حدود المناطق السالبة والموجبة ، التي تستعين بتقنية العجينة الكثيفة .. فقد اتخذت مفرداتها التشكيلة منحى انثروبولوجي ، اجتماعي يصب كما قلنا في الوجود ويتمثل بهيئات الإنسان المختلفة ، المموهة ، تحيلها الفنانة إلى      ما يشبه هيئة ألأوراق ، ذات حافات مطوية بالنسيان ، لتبقي ضلالها شواهد أزلية .. فموضوعة الجسد ، عند " زينب "  ياخذ هيئة طير، شجرة ، سلم ، ورقة ، بل وحتى سحابة بيضاء ، تتشكل في الفضاء لتكون صوراً خيالية مركبة للذاكرة والتي تتحدث عن الوجود المعنوي ..؛  فقد أكدت على إكساب تكويناتها ألواناً رمادية وترابية ، تعبيراً عن حالة تغييب ذاتية  الإنسان بجانب حالات الاغتراب والخوف من الزوال .

     حيث اتسمت أغلب تكوينات الفنانة ، بعد ان استلهمت مبحثي الانثروبولوجيا والانطولوجيا في أعمالها الأخيرة ، بالمثالية الرمزية ، التي من خلالها تمكنت من توسيع أنظمة تشكيل تعبيراتها المستعارة من الخيال ، بعيداً عن المحاكاة المباشرة الجامدة ، لتنقلنا بعد القراءة من الظاهر إلى الجوهر في دلالات شكلية ، تكشف في بعض الأحيان عن الأعماق .

     فالفنانة التشكيلية " زينب عبد الكريم " وبعض الأسماء من الجيل التسعيني ، يتمسكون بآليات الحداثة والتأويل ، لإثبات وجودهم الفني ، كالحمامة البيضاء التي تحمل بين جناحاها عناقيد الميلاد ( الهوية ) ، تحاول ان تحلق بها وتصمد في التحليق من أجل التوحد مع الآتي !!!!.

 

قبس من الحضارة ..اجساد في تجربة عبد الباسط النقاش

د. شوقي الموسوي

جريدة القادسية /2002 /العدد 7332

منذ ان وقف الانسان مذهولا امام مظاهر الكون متاملا متضرعا ..مبتهلا حتى وطأت اقدامه الارض المعبود اشتد حبه لها واستمر في الصراع من اجل البقاء.زارعبته الرياح والرعود والبروق التي دفعته لاستعانة بالفن ،فرسم اشباحها على جدران الكهوف والخشوع عندها ومن تلك الحقبة السحيقة وماتلاها من حضارات عريقة تذوقنا الثمار علنا نجد بعض عنا قيد الفرح وبتذوقنا لها غزا ماضيها حاضرنا فترسخت الافكار الاصيلة فترجمها الفنان الى احاسيس جمالية متلونة بذاته وبصفاته عن طريق الابداع وبمختلف الاساليب الفنية. اذ ان هناك خطا شائعا مفاده :ان الفنان يعبر عن نفسه فالحقيقة هنا ليعبر عن نفسه عن طريق الابداع ويبدع عن طريق التعبير عن نفسه وهذا ماوجدنه في اعمال الفنان التشكيلي عبد الباسط النقاش المعبرة عن نفسة عن طريق الابداع فعندما نتواجد مع احد نصوصه التشكيلية سوف تثير فينا شعورا بالنتماء الى اجواء الماضي ،حضارات سوم رواكد وبابل واشور العريقة الجذور والموروث الحضاري لتحقيق عالمية الفن ،اذ لايمكن تميز أي حركة فنية بعيدة عن التراث بوصفه رد فعل لاستلاب التشكيلي الغربي وبجانب استلهامه الفنان الموروث العربي الشعبي والحضاري اشتغل الفنان عبد الباسط على اشكال مجردة مولودة من صميم الفكر الانساني والمتمثلة بالحروف العربية والزخرفة الاسلامية بوصفها رموزا لغويا اصيلة تكون معا النص الجيد الذي نراه يستعيد في بعض اجزاءه العديد من الاسئلة المرتبطة بالنص الاول.

وقد استعان النقاش بهيئات الانسان المختلفة الاوضاع بوصف ان الانسان يحوي ويلخص الجمال التشكيلي كله على حد المقولة الافلاطونية ..اضافة الى اهتمامه بكل مايحيط بالنسان اذ انه الفنان كالانثربولو جيين الاجتماعيين الذين يعنون بكل شيء يتعلق بالنسان عبر العصور وكالانثروبولو جيين الحضاريين الذين يجعلون اهتمامهم الرئيس منصبا على الحضارة ،بوصفها تتكون من كل انواع السلوك الذي يتعلمه الفرد اذ ان السمات المميزة لاية حضارة في الواقع ماهي الااهتمام بالعادات والطرائق فضلا عن البيئة المحيطة.

قسم الفنان النقاش مساحة اللوحة الواحدة الى ثلاثة اجزاء الاول علوي احتوت على تشكيلات حروفية سابحة في الفضاء الازرق معبرة عن معنى السامي الذي يرجح الفكرة على الشكل أي تجلي لامتناهي هي "المطلق" ،والثاني في النهائية السفلى المتمثلة بالارض،المادة الانسان بفساتينها الترابية ،اما الثالث فهو في المنطقة الوسطى يمكن وصفها على انها الجسر المتمثل بالعبادة كمعبر الروح من العالم السفلي الى العلوي نحو المطلق.

فقد حول الرسام عبد الباسط النقاش مشهده التشكيلي الى امراة حقيقية ترينا مبحث الانطولوجيا "الوجود "تنقلنا الى الجوهر لا الى الشكل كون المراة عنده داخلية متمثلة بالروح وليست خارجية "الشكل" بوصفها وجود روحي يكشف عن اسرار المجهول فيما وراء المحسوس.

 

مرايا الزمن في رسومات عبد الامير علوان

د. شوقي الموسوي

جريدة العراق /2002  /العدد 7559

     ليست حواسنا مجرد " ثقوب " في الجسم – من خلالها  تمر الأحاسيس والمشاعر – بل هي أفعال للطبيعة تقع على الجسد وهي نشاطاً  له في نفس الوقت ، متآزرة ومتعانقة معاً ؛ اذ إننا لا نستطيع أن نرى الشيء المرئي   ما لم ننظر إليه ؛ بوصف ان المعرفة بالشيء تزداد بازدياد الرؤية وبالتالي تزداد الحواس تطوراً ؛ على اعتبار ان الإنسان بشكل عام والفنان بشكل خاص ، على حد تعبير " بيكاسو " وعاء لجميع المشاعر الآتية من كل مكان حوله ، من السماء ، من الأرض ، من قصاصة الورق ، بل وحتى من بيت    العنكبوت !!؟

           والفنان المتمسك بالاصالة  بشكل عام ، نجدهُ قد امتلك حساً أكبر بالزمان والمكان وبلحظة التفكير ومن ثم التدبير، فهو يرسم لإبراز رؤى فكرية وبمختلف الأساليب الفنية ، التي تتخذ من الواقع موضوعاً أساسياً لها ؛ بوصفه – الواقع – يقذف دائماً بمادة جديدة ويسمح للمادة القديمة ان تختفي عن الأنظار ، ليحصل تطور في الصورة الفنية ، بالرغم من تكافؤ بعض نتاجات الفن من الناحية الجمالية في النهاية ، مهما كانت مرحلة التطور التي تنتمي إليها الأعمال ، وهذا ما وجدناه في أغلب أعمال الفنانين العراقيين الواقعيين بشكلٍ عام والرسام " عبد الأمير علوان " بشكلٍ خاص .

    فقد رسم " عبد الأمير علوان " خطواته الواضحة لرؤيته التصويرية منذ نهاية الثمانينيات ، متخذاً من الواقعية النقدية ، انطلاقة أبدية نحو الوجود ، جاعلاً من ذاتيته موضوع صلة بالأفكار الجديدة ، المُستلهمة من مرآة الواقع المعاصر ، على وفق خياله التصويري ، من ثم ترجمتها إلى المتلقي المعاصر .

     والحقيقة التي يُمكن ان تُقال بحق الواقعية ، إنها ليست أسلوباً واحداً من الأساليب الأخرى ، بل هي أساس الفن تكمن في كل الأساليب الفنية ، حتى تلك الأساليب التي تبدو متعارضة مع أفكار الواقعية ، تنشأ منها ، ثم ترتبط بها ؛ إذ لا يمكن ان يوجد أي فن لا يستند إلى واقع متميز ومستقل عنه ... فأعمال الرسام " عبد الأمير علوان " نجدها تصور العالم الواقعي (المرئي) ، كمرايا للزمن ، على وفق رؤية بانورامية شاملة للمشهد الواحد ، تنتج تكوينات وجودية متشحة بألوان الأرض والسماء والإنسان ، تبعث فينا شعوراً  بالحياة ... حيث نلاحظ هنالك سيطرة تامة داخل الفضاء التصويري للكل على الجزء ، كما ان تنظيم عناصر اللوحة عنده قد خضعت لحركات وإيقاعات لونية لا ترتبط بطبيعة الأشياء فحسب ، بل بمقتضيات المعاني (المضمون) المقصودة التي تعيدنا الى الذكريات .

     على اعتبار ان الفنان " عبد الأمير " ، قد امتلك نزعة تأملية لأشيائه المختارة في مجال التعبير ، فضلاً عن شفافيته المرهفةفي التعامل مع مفردات المشهد الواحد ، بحدود معالجاته الخطية واللونية ؛ كونه يبحث عن النقاط المكثفة في الوسط المحيط به بمساعدة هذا التأمل .

       إذ يمكن للمتابع أن يُلاحظ في مشاهد " عبد الأمير " التصويرية ، ان موضوعة الجسد الأنثوي وتحولاتها في الحياة الاجتماعية ، قد ظهرت كموضوع أساسي وسيادي على باقي الموضوعات ، يجري الاشتغال عليها والذي يريد لها النجاة من عمق البحر والقلب التي قذفت فيها منذ زمان ، لتخفي بين ثناياها  ذكريات الحب والانتظار ، فضلاً عن موضوعة الفلكلور الشعبي العراقي ، المتمثل بالأزقة والبيوتات البغدادية العتيقة المرصعة بالشناشيل ، بالإضافة إلى أسواق المدينة الممتلئة بالأجساد التاريخية والاجتماعية ، بجانب مشاهد الطبيعة الريفية الديناميكية التي يستلهم منها الفنان في كل مرة  ثقافته الفنية ، جاعلاً من هذه المفردات جزءاً من النسيج الكلي لأعماله ، ملقياً على العين ومضة من الضوء الذي يقودها إلى ما يجب ان تراه ، مركزاً على الخطوط المنحنية التعبيرية لأشكاله عن طريق لمسات فنية لفرشاته الواعية .

      حيث نجد ان أغلب نصوصه التشكيلية لا يمكن اعتبارها مجرد تسجيل لحظات من مشاه حياتية ، بل تجسيداً لفكر الفنان الواقعي وتراكماته المعرفية ، في حدود الصور الإنسانية العميقة ، التي بدورها تتبلور في مواد تشكلها ، ليبدو العمل الفني في ذاته متماسكاً بقواه الباطنية ؛ إذ ان النتاج الفني الجيد لا يمكن اعتباره إعادة نقل للعالم وإنما التعبير عن الآمال الموتوقفة على الذات الفردية والجمعية لبناء المستقبل ، كوننا نفهم الرسم على انه عملية بحث وليس نسخ للخارج التي تجعل – النسخ – الفنان مقلد ومهرج بلا مواقف أو تقنية فنية .

وبحديثنا عن الواقعية استبعد الرسام " عبد الأمير علوان " ، كل مفهوم ضيق للواقعية ؛ على اعتبار ان الواقع الذي يشمل الموجودات ومنها موضوعة الجسد ، لا يمكن ان يقتصر فقط على ما هو عليه ، بل يتعداه ليشمل ما سوف يكون عليه في المستقبل القريب البعيد ؛  بوصف ان آمال وأحلام الإنسان الفنان ، هي رغيف المستقبل .

 

 

 

 

Home

  Copyright © www.shawqi-almusawi.com 2008